الدولة في عصر العولمة: رؤية من المنظار الوظيفي جمال منصر

تؤدي كل النظم السياسية الوظائف نفسها تقريبا، وإن اختلفت المؤسسات التي تضطلع بها باختلاف الأمكنة والأزمان، أضف إلي ذلك أن من أهم ميزات الأبنية السياسية أنها متعددة الوظائف حيث ينهض نفس البنيان بأكثر من وظيفة.
ومع التسليم بهذه المنطلقات النظرية، فإنه يجب القول أن الدولة الوطنية لم تعد الوحدة المركزية الأساسية في النظام العالمي الحالي كما كانت عليه في السابق، خاصة في ظل بروز قوي اقتصادية واجتماعية محلية وعالمية منافسة هذا من جهة، ومن جهة أخري لازالت الدولة متمسكة كل التمسك بموقعها المحوري، وبكونها صاحبة القرار الأول في الأمور الحيوية، وهذا ينطبق علي كل دول العالم بما في ذلك أكثرها ضعفا.
إن هذا الوضع هو الذي يحدد وظائف الدولة الوطنية في عصر العولمة، هذه الوظائف التي تشهد تغيرا في محتواها وفي نطاقها، فنطاق قيام الدولة بوظائفها قد اختلف أفقيا وعموديا؛ أفقيا بمعني إمكانية امتداده خارج إقليم الدولة، وعموديا بمعني أنه صار يمتد من القمة إلي الوحدات المحلية الصغيرة ونتيجة لذلك برزت وازدادت الأهمية النسبية لبعض الوظائف وتراجعت في المقابل أهمية وظائف أخري.
وفي نطاق دراسة وظائف الدولة في عصر العولمة سيتم استعراض هذه الوظائف، وفق الترتيب الآتي:

أولا: الوظائف السياسية والأمنية.

إن التداخل بين القضايا السياسية والأمنية في الحياة الدولية المعاصرة يجعل من الصعب الفصل بينها فصلا تاما، وإذا تعلق الأمر بوظائف الدولة الوطنية في هذين المجالين فإن محاولة الفصل ستكون أكثر صعوبة، ورغم ذلك يمكن إدراج وظائف الدولة الوطنية في المجالين السياسي والأمني كل علي حدي علي النحو الآتي:

1ـ الوظائف السياسية.

إن السياسة ككل الظواهر الحياتية الأخري ليست بمنأي عن العولمة، لذلك ليس غريبا أن يعاد النظر في الوظائف السياسية للدولة الوطنية، خاصة وأن هذه الوظائف بدأت تعرف تغيرا حقيقيا علي المستويين الداخلي والخارجي.
وفي هذا الإطار يري دعاة العولمة أن مفهوم الحكم ”Governance” هو الأكثر تعبيرا عن وتناسبا مع حقائق الواقع السياسي الوطني والدولي في الوقت الراهن، إذ لم تعد الحكومات وحدها هي التي تحتكر الوظائف السياسية في الدولة ( وظائف الحكم ) وإنما باتت تشاركها في هذه الوظائف جهات عديدة أخري داخلية وخارجية، ومن ثم يمكن القول أن الحكم كنشاط لم يعد مقصورا علي الحكومات ككيانات رسمية تستند في ممارستها لمهام الحكم إلي سلطة رسمية وإنما أصبحـت ممارسـة الحكـم متاحـة أمـام العـديد من القوي غير الرسمية سواء كانت وطنية أو خارجية (1) ويري البعض أنه ينبغي في هذا الصدد البحث عن صيغ جديدة لمفهوم السيادة الوطنية ذ في ظل حالة الانحسار التي تعرفها الدول الوطنية بفعل العولمة ذ ولعل إحدي هذه الصيغ ما يتم التعبير عنه بإيجاد ”هيئة حاكمة ذ دون حكومات” تضبط آليات عمل العولمة. هذه الهيئة الحاكمة الدولية تعرفها جوزيفا لاروش بأنها: ”تبدو كمجموعة من الضوابط الناتجة عن تعددية القوي والمكونات الفاعلة في إطار العولمة والتي أصبحت نشاطاتها متداخلة جدا. (2)”
وعندما تمارس هذه الهيئة الحاكمة الدولية مهامها يمكن أن تأخذ الإدارة العالمية الجديدة عدة مسارات واتجاهات مستقبلية محتملة (3)
الاتجاه الأول: هو الاتجاه نحو السوقنة؛ والذي يتضمن سيطرة الاقتصاد علي السياسة حيث تسير السياسة بقوانين السوق ويتحكم منطق حرية السوق في الدولة، هذا الأمر يعني في المرحلة الأولي تجاوز الدولة ثم تهميشها وأخيرا انحسار دورها في الشأن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن ثم السياسي علي الصعيد العالمي، ومن هنا يتضح أن الدور الأساسي للدولة ذ إذا أرادت الاستمرار- هو استعادة أولوية السياسة علي الاقتصاد.
وفي هذا الصدد يقول كل من هانس بيتر- مارتن وهارالد شومان في كتابهما ”فخ العولمة”:” إن استعادة الإرادة السياسية، أعني أولوية السياسة علي الاقتصاد هي المهمة المستقبلية الأساسية، فقد صار جليا استحالة الاستمرار في السير علي هدي التوجه السائد الآن. فالتكيف الأعمي مع التغيرات التي تفرزها السوق العالمية يقود المجتمعات إلي فوضي لا مناص منها، إنه يقود إلي هدم البني الاجتماعية، هذه البني التي تشكل سلامتها ضرورة حتمية لهذه الدول، ولا طائل من انتظار ما تقدمه الأسواق والشركات العابرة للقارات من حلول لمواجهة القوة التدميرية الآتية من أولئك الذين سيدفعهم التهميش والخسران إلي التطرف، فلا الأسواق ولا الشركات العابرة للقارات لديها الحلول لمواجهة هذه المخاطر. وسيكون من أهم الواجبات التي يتحتم علي السياسيين النهوض بها، إصلاح الدول وإعادة أولوية السياسة علي الاقتصاد.(4)
الاتجاه الثاني: هو الاتجاه نحو الوحدنة والذي يبدأ بالاتجاه العالمي نحو التنسيق بين القوي الإقليمية والمؤسسات العالمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية لإدارة شؤون العالم، علي صعيد تطبيق التشريعات والسياسات وتحمل المسؤولية تجاه أمن، استقرار ومصير العالم.
ومن الجدير بالذكر أن جميع هؤلاء النشطاء قد أثبتوا أن الدولة الوطنية، ليست هي الأداة أو الوسيلة الوحيدة في إدارة السياسات العالمية، بل إن الدولة ”المعولمة ” أصبحت فاعلا من مجموع فواعل أخري دون أن تفقد كليا دورها كراع للمصلحة العامة. (5)
ومن ثم فالتحول الذي حدث يتمثل في التحول من السيادة المطلقة إلي السيادة النسبية، وتبعا لذلك تمارس الدولة وظائفها في بعض المجالات بوصفها صاحبة السيادة والسلطان المطلق، وفي مجالات أخري تمارس هذه الوظائف بوصفها تتمتع بالسيادة والسلطان النسبي، فالحفاظ علي الأمن والاستقرار الداخلي وحماية الملكية العامة والخاصة تدخل في نطاق الوظائف التي تتمتع فيها الدولة بالسيادة المطلقة أو شبه المطلقة، في حين أن الوظائف التي تدخل في نطاق فرض الضرائب وتحديد التعريفة الجمركية علي سبيل المثال، فإنها ستواجه بالعديد من القيود الخارجة عن نطاق سيطرة الدولة وتحكمها.
إن هذا الواقع الذي أفرزنه العولمة، يفرض علي الدولة الوطنية في المجال السياسي الاضطلاع بالوظائف الآتية:
1ـ الدور التطويري للدولة في ظل العولمة، ويشمل هذا الدور يتعلق بتطوير مؤسسة الدولة ذاتها والمؤسسات السياسية التابعة لها، هيكليا،وظيفيا وفكريا.
2ـ إعادة تنظيم العلاقة بين السياسة والمجتمع، فإن كانت فترة الحرب الباردة قد شهدت اتساعا للحيز السياسي الرسمي بحكم الواقع القائم آن ذاك، فإن المرحلة الحالية تشهد اتساعا ملحوظا لنطاق المجتمع المدني وانحسارا نسبيا للنطاق السياسي الرسمي، والأمر يتطلب الوصول إلي صيغة متوازنة بين النطاقين تكفل تحقيق التكامل والتوافق والانسجام فيما بينهما بما يؤدي إلي زيادة كفاءة وفعالية الإدارة السياسية للمجتمع. (6) فالتحول الديمقراطي الناجح يحتاج إلي مجتمع قوي، ناضج وحديث، ولا يتعارض علي هذا النحو مع وجود دولة قوية. بل علي العكس يحتاج التطور الديمقراطي إلي دولة قوية منفتحة وحديثة.
3ـ الوظيفة التنظيمية للدولة وتدورحول قيامها بتنظيم عملية تحمل الالتزامات والمسؤوليات كفاعل دولي. (7) بما يتلاءم والحفاظ علي كيانها الذاتي ويوفر لها القدرة علي الوفاء بهذه الالتزامات والمسؤوليات تجنبا لأية ضغوط خارجية، هذا بالإضافة إلي ضرورة قيامها بتنظيم علاقاتها بالفاعلين الآخرين من غير الدول، بما يؤدي إلي زيادة قدرتها وكفاءتها في التعامل مع هؤلاء الفاعلين، وبما يساعدها علي استيعاب المتغيرات النابعة من هؤلاء الفاعلين والمؤثرة عليها.(8)

2ـ الوظائف الأمنية.

لاشك أن تحقيق الأمن الداخلي والحفاظ علي الأمن الخارجي من الوظائف التقليدية للدولة والتي كان ينظر إليها فلاسفة السياسة كمهمة مركزية للدولة وكان الاعتقاد السائد لدي العديد من السياسيين الممارسين أن الواجب الأسمي للدول هو تولي هذه المهام بفاعلية.
و قد ارتبط مدلول الأمن بمفهوم الخطر والتهديد، فلا نستطيع تعريفه إلا في مجال داخلي ودولي محدد وبذلك فهو يمثل المحصلة النهائية لمستوي ودرجة التحصين لكيان الدولة من الداخل والخارج. وبقي مفهوم الأمن محافظا علي أهميته الجوهرية في عصر العولمة بكل أبعاده سواء الداخلية أو الخارجية، وليس ذلك غريبا ففي كل العهود والأزمنة كان للاقتصاد، الحروب والسياسة روابط ضيقة ومتقاربة. (9)
إلا أن الجديد في هذا المجال يتمثل في القضايا والإشكالات الجديدة التي تواجه الدولة في عصر العولمة الأمر الذي يفرض تطوير المهمة الأمنية للدولة وتحديث أساليب أدائها. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلي بعض القضايا الجديدة وما تتطلبه من وظائف أمنية للدولة الوطنية علي المستويين الداخلي والخارجي:
1ـ التعرف علي أنواع الجرائم التي تهدد الأمن الوطني كالجرائم الاقتصادية منها: غسيل الأموال، التلاعب بالبورصة والفساد الإداري. ووضع مخطط علمي وعملي للتعامل معها، حيث أن الآثار الناتجة عن مثل هذه الجرائم علي أمن الدولة لا تقل عن التهديدات الخارجية ويدخل في هذا الشأن الجرائم الممكن حدوثها من خلال التجارة الإلكترونية والجريمة الدولية وتجارة المخدرات ودفن النفايات النووية والكيميائية. إلخ. وهكذا نجد أن مجالات الوظيفة الأمنية قد اتسعت وتعقدت بصورة غير مسبوقة، حيث أن مثل هذه الجرائم تهدد الأمن الوطني للدولة من زوايا مختلفة. (10)
2ـ مقاومة التطرف والإرهاب، حيث أن ظاهرة التطرف والإرهاب تعد من الظواهر الخطيرة التي تهدد الأمن الوطني. وعلاج هذه الظاهرة لابد وأن يجمع بين الأساليب الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية، وعلي هذا الأساس أصبحت محاربة الفقر إحدي أدوات الأمن. ودعم التنمية عاملا مهما للاستقرار. (11)
3ـ فيما يتعلق بمفهوم الأمن الخارجي والذي يدور حول الحفاظ علي سلامة إقليم الدولة براً بحرا وجوا، ومنع تعرضها للعدوان الخارجي وتوفير القدرة اللازمة للتصدي له، هذا بالإضافة إلي الدفاع عن مصالح مواطني الدولة في الخارج، هذا المفهوم للأمن الخارجي لم يعد قاصرا علي هذه الجوانب التقليدية فاختراق إقليم الدولة لم يعد يتم بالوسائل العسكرية المباشرة وإنما يتم بوسائل تكنولوجية متطورة، من خلال الأقمار الصناعية وغيرها من وسائل جمع المعلومات الحديثة ويتم كذلك من خلال ما يمكن أن نطلق عليه ”الأساليب الذكية” التي تدور حول تحليل البيانات الإستراتيجية للدولة والتعرف علي كيفية إدراك صانع القرار السياسي للواقع السياسي الذي يعمل في إطاره داخليا وإقليميا وعالميا. ومن هنا فإن تحقيق الأمن الوطني علي هذا المستوي لم يعد يتم من خلال الأساليب العسكرية وحدها، وإنما من خلال أساليب جديدة تعتمد علي العلم والمعارف المتطورة.
وفي هذا السياق أصدر اتحاد العلماء الأمريكيين بيانا جاء فيه :”. إن العالم لم يعد يدار بالأسلحة بعد الآن أو الطاقة أو المال، إنه يدار بالأرقام والأصفار الصغيرة. إن هناك حربا تحدث الآن. إنها ليست لمن يملك رصاصا أكثر إنها حول من يسيطر علي المعلومات، ماذا نسمع أو نري؟ كيف نقوم بعملنا؟ كيف نفكر؟ إنها حرب المعلومات. (12) وهكذا يضاف إلي مدلولات الأمن الواسعة مدلول جديد اسمه ”الأمن المعلوماتي”، يفرض علي الدولة الوطنية أخذه بعين الاعتبار في هذا القرن الذي تؤدي التكنولوجيا فيه دورا أساسيا.
4ـ وفي مجال الأمن الخارجي كذلك تبرز قضية التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول لاعتبارات إنسانية وقد أخذ هذا النمط يتخذ شكل النزعة الإنسانية المسلحة المتجسدة في بعث جيوش متعددة الجنسية لفرض احترام حقوق الإنسان في دول مختلفة.
ومع أن مسألة التدخل الدولي لغايات التوسع ولخدمة المصالح الحيوية للقوي الكبري ليست بالأمر الجديد إلا أن طبيعة التدخل قد تغير غطاؤها الشرعي وإطارها العملي. ففي حين كانت تخاض الحروب باسم الدين والقيم العليا في العصور الوسطي، هيمنت علي الحرب الباردة المعطيات الأيديولوجية والإستراتيجية وتمت حالات التدخل المسجلة في تلك الحقبة في إطار الصراع القطبي بين المعسكرين المتناوئين.
غير أنه بعد اندثار المعادلة القطبية السابقة وتفكك الإتحاد السوفياتي، برز التركيز غير المسبوق علي مبدأ حماية حقوق الإنسان وتم تحويله إلي أحد مرتكزات السياسة الخارجية لدول الشمال، وأحد معايير الاستفادة من عونها المالي والاقتصادي، وطرحت بالتالي قضية التدخل الإنساني علي أساس أنها ليست تدخلا لهذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك، بقدر ما هي شعور متنام بالمصير المشترك لكل بني الإنسان(13).
لكن الثغرة الأخطر في تطبيق هذا المبدأ، تكمن حاليا في الطابع الانتقائي للتدخل، حيث نري القوي الكبري تحبذ التدخل في مناطق بعينها، وتعرض عنه في مناطق أخري، مما يولد ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الأهلية وحروب الإبادة الجماعية وقضايا حقوق الإنسان بشكل عام.
وبذلك يقوم مبدأ التدخل الإنساني بوظيفة تبريرية توفر غطاء الشرعية الدولية لتدخل الدول الكبري ذوعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ذفي الشؤون الداخلية للدول الصغري، مما يعد انتهاكا لمبدأ السيادة الوطنية. وهذا ما يعكس التحول الذي يشهده العالم من التركيز علي مفهوم السيادة إلي التركيز علي الأمن الدولي كما تتصوره القوي الكبري. (14)
وتكمن الوظيفة الأمنية للدول الوطنية-خاصة في العالم الثالث – إزاء خطر التدخل الأجنبي في تجنب حدوث أي حالات تبرر أو تفتح الباب أمام مثل هذا التدخل، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الالتزام بتطبيق القانون بموضوعية وشفافية علي جميع المواطنين دون تمييز، وتوفير سلطة قضائية منضبطة.

ثانيا: الوظائف الاقتصادية والاجتماعية.

إذا ما رجعنا إلي الأدبيات المعاصرة التي عنيت بدراسة الدولة ووظائفها الجديدة في عصر العولمة، سنلحظ اهتماما وتركيزا واضحا علي مجموعة الوظائف الاقتصادية للدولة، وربما يرجع ذلك إلي ازدياد أهمية العوامل الاقتصادية في الواقع المعاصر، وهو ما يدعو إلي التساؤل في الوقت ذاته عن الوظائف الاجتماعية للدولة، نظرا للعلاقة التلازمية بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي.

1ـ الوظائف الاقتصادية.

خضع دور الدولة وتدخلها في الشؤون الاقتصادية أو عدمه، لجدلية تاريخية طويلة عبر مسيرة الرأسمالية فلقد أسهمت الدولة الحديثة منذ قيامها في تطور الرأسمالية. إذ ساعدت علي تحقيق التراكم الرأسمالي وإقامة الصناعات علي نحو مباشر وغير مباشر في البداية، فاتسع نطاق تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وأخذ إجراءات واتجاهات متعددة تصب في خدمة استكمال بناء مرحلة التراكم الرأسمالي وإقامة الصناعات.
وبعد أن تم استكمال بناء الرأسمالية، دخل دور الدولة مرحلة جديدة، حيث أصبح تدخلها في الحياة الاقتصادية يشكل عبأ علي الرأسمالية. مما أدي إلي الدعوة إلي تقليص هذا الدور بعد أن تخطي الاقتصاد الرأسمالي مرحلة تحقيق التراكم. وظهر تعبير ”الدولة الحارسة” الذي يشير إلي اختصار وظيفة الدولة في تهيئة المناخ المناسب للأفراد ضمن المجتمع ليمارسوا أعمالهم بحرية تكاد تكون تامة. (15)
وتوضيحا للدافع الخفي الذي يقف وراء تبني دعاة العولمة لهدف إضعاف الدور الاقتصادي للدولة، يري البعض أن القوي الرأسمالية في مراحل نشأتها الأولي قد اتخذت من الدولة الوطنية أداة لتحقيق أهدافها، إذ أسهمت أجواء الأمن والديمقراطية والاستقرار السياسي، التي كفلتها الدولة في انتعاش القوي الرأسمالية محليا، ثم اتخذت الرأسمالية من القوة العسكرية للدولة أداة لتوسيع نطاق سيطرتها عالميا من خلال مرحلة التوسع الاستعماري. أما الآن فقد استشعرت الرأسمالية أنها قد وصلت إلي مرحلة النضج وإمكانية الاعتماد علي الذات، ومن ثم لم تعد بحاجة إلي دور الدولة بل أكثر من ذلك، لقد أصبحت الدولة ذمن منظار القوي الرأسمالية ذ تمثل قيدا أو عائقا يكبل حركة الرأسمالية ويعرقل جهودها قي تحقيق أهدافها، ومن ثم جاءت الدعوة إلي إحلال الشركات متعددة الجنسيات محل الدولة. وهكذا تحددت مهمة الدولة في عصر العولمة – من وجهة نظر الليبراليين الجدد – في كونها مجرد مضيفة للشركات متعددة الجنسيات.(16)
وهكذا أخذت الشركات متعددة الجنسيات تحل تدريجيا محل الدولة، إذ لم تعد حدود الدولة الوطنية هي حدود السوق الجديدة، بل أصبح العالم كله مجالا للتسويق، سواء كان تسويقا لسلع تامة الصنع أو لمستخدمات وعناصر الإنتاج أو لمعلومات وأفكار، فقفزت بذلك فوق أسوار الدولة، وأخذت هذه الأسوار تفقد قيمتها الفعلية، بل أصبحت أكثر فأكثر أسوارا شكلية، سواء تمثلت في حواجز جمركية أو حدود ممارسة السياسات المالية والنقدية، أو حدود السلطة السياسية أو حدود بث المعلومات والأفكار.
والشركات متعددة الجنسيات لا تقوم بإحداث هذه التغييرات والتعديلات وحدها، بل تستعين بجهود هيئات ومؤسسات أخري، منها المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنها وكالات الأمم المتحدة ومنها مختلف وسائل التأثير في الرأي العام.
وفي معرض دفاعهم عن هذه الأفكار، يقول أنصار العولمة أن الاقتصاد المعولم بتحرره من السياسة يسمح للشركات والأسواق وعوامل الإنتاج بأن تحظي بقدر وفير من الأفضلية، دون أن يشوهها تدخل الدولة ويزعمون أن التجارة الحرة والشركات متعددة الجنسيات وأسواق رؤوس الأموال العالمية قد حررت الأعمال الاقتصادية من قيود السياسة، وهي قادرة علي تزويد الناس في أرجاء العالم بأرخص المنتجات وأكثرها كفاءة. (17)
وتستهوي هذه الأفكار العديد من الاقتصاديين والسياسيين في العالم الثالث، الذي اختارت معظم دوله طريق التخطيط الاقتصادي واستأثرت بسلطة سياسية متعاظمة استخدمتها من أجل فرض خياراتها علي المجتمعات، فاستحوذت علي كل المقدرات والموارد الاقتصادية وأخذت علي عاتقها توفير كافة الخدمات وإعالة أهل الكفاف، إلا أنها في التنفيذ عجزت عن تقديم هذه الخدمات بالشكل وبالمستوي المطلوب وتعثرت خطط النمو الاقتصادي وعجزت عن المنافسة وشاعت ممارسات الاقتصاد السري والسوق السوداء، وحالات التهرب من الضرائب وعدم احترام القوانين.(18) وهذه السمات قد يعبر عنها اسم”الدولة الرخوة The soft State وهو اسم استخدمه غنار ميردال””Gunnar Myrdal في أواخر الستينيات من القرن الماضي.(19)
كل هذه العوامل دفعت الدولة الوطنية في العالم الثالث إلي التخلي عن التزاماتها التقليدية أو التحلل من كثير من وظائفها الاقتصادية، وسعت إلي قصر وظائفها علي الأمن والرقابة والعدالة وجاءت إفرازات العولمة لتعزز هذا التوجه وتدفع به قدما.
وبذلك ستكون دول العالم الثالث الأكثر تأثرا بالتحديات التي تفرضها العولمة، نتيجة ضعف أجهزتها وهشاشة مؤسساتها في بعض الحالات، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مع نقص إمكانات الدولة وعدم توفر القدرات المناسبة للتصدي للمشكلات، فضلا عن تدني القدرات التقنية للكثير من دول العالم الثالث. بينما تقوم الدول الرأسمالية في النظام الرأسمالي العالمي بالعمل علي تأمين سلامة نظامها وتوسيعه، عبر تحقيق حرية التجارة الخارجية وحرية انتقال رؤوس الأموال.
لقد شكلت الدولة الوطنية العنصر الأساسي في مفهوم الاقتصاد الدولي، وتشكل الشركات متعددة الجنسيات العنصر الأساسي في مفهوم العولمة.ورغم ذلك لازالت الدولة في عصر العولمة مطالبة بأداء الوظائف الاقتصادية الآتية:
1ـ وضع القواعد القانونية المنظمة للنشاط الاقتصادي وتوفير الضمانات القانونية والإدارية لقيام القطاع الخاص بدوره في النشاط الاقتصادي مع متابعته، ووضع الضوابط اللازمة لامتثاله للقواعد القانونية المنظمة لنشاطه. ومن ثم فوضع القواعد القانونية وحده لا يكفي، وإنما لابد وأن يرتبط به القيام بمهمة المتابعة ووظيفة الضبط الملزم للامتثال لهذه القواعد.
2ـ توفير الظروف الملائمة للمنافسة ومنع الاحتكار، وذلك من خلال مبدأ الشفافية في المعاملات والمعلومات، فلا يمكن للدولة الوطنية – مثلا- أن تحمي المهن التي تندثر نتيجة التطور والتقدم التقني والمنافسة العالمية، إنما يمكنها إدارة التحول بشكل يدفع العاملين إلي التكيف مع الأوضاع الجديدة. والسعي إلي مقاومة الفساد.(20)
3ـ وضع منظومة من السياسات المالية والنقدية المرنة، القادرة علي تمكين الدولة من إدارة النشاط الاقتصادي وتوجيهه، بما يحقق الأهداف المطلوبة للدولة ككل، ويعالج أي خلل في التوجهات الاقتصادية التي يمكن أن تحدث لنظام اقتصاد السوق.
4ـ إدارة الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية المحتملة، من خلال وضع منظومة من السيناريوهات المحتملة وتطويرها باستمرار، وإعداد فرق لإدارة الأزمات الاقتصادية المتوقعة والمحتملة.
وقد خصص البنك الدولي تقريره السنوي عن التنمية في العالم عام1997 لموضوع”الدولة في عالم متغير” وحدد التقرير الوظائف الاقتصادية للدولة علي النحو الآتي:
– إيجاد قاعدة أساسية من القانون وحماية حقوق الملكية.
– توفير بيئة مناسبة للسياسة العامة تتسم بالشفافية والمرونة وعدم الفساد.
– الاستثمار في البشر والأبنية الأساسية.(21)
إن هذه الوظائف المحددة تمكن الدولة من مواجهة انفتاح الأسواق وانتقال رؤوس الأموال والمشكلات الاقتصادية المستجدة. حتي تظل الدولة حارسة للصالح الوطني العام بدلا من أن تكون حارسة لرأس المال العالمي ومصالح الشركات متعددة الجنسيات.

2ـ الوظائف الاجتماعية: 

ظلت الدولة كصورة من صور التنظيم السياسي والقانوني للسلطة السياسية في المجتمعات تضطلع بدورها عبر العصور من خلال استهدافها تحقيق الخير العام لأعضاء المجتمع ككل. وهذا ما يصطلح عليه” بوظائف الرفاه العام ”، التي يقصد بها جميع وظائف الدولة التي يؤدي قيامها بها إلي التحسين المباشر للأحوال التي يعيش المواطنون أو يعملون في ظلها، كتحسين الصحة والسكن والضمان الاجتماعي وما شابهها من متطلبات الحياة الكريمة. وهذه الوظائف هي التي تجعل الدولة أداة للخدمة لا أداة للسيطرة. (22)
وقد وجدت هذه الفكرة قبولا واسعا خاصة منذ بدايات القرن العشرين. (23) فكانت الدولة تحرص علي الرعاية الاجتماعية لمواطنيها، فيما يتصل بتوفير الغذاء والإسكان والتعليم والرعاية الصحية والحد الأدني للأجور. كما واكب ذلك أيضا تبني سياسات الضرائب التصاعدية التي تستهدف إعادة توزيع الدخل علي المستوي الوطني تحقيقا للعدالة الاجتماعية. ودعما للطبقات المتوسطة التي تعتبر عماد الاستقرار والتوازن في المجتمع، وقد أدي هذا الاتجاه والسياسات التي تولدت عنه إلي إيجاد ما عرف بمصطلح” دولة الرفاه” (Walfer State) في الولايات المتحدة الأمريكية ونظم الاشتراكية الديمقراطية في دول أوربا الغربية.(24)
ويمكن القول بأن العوامل الباعثة علي الأخذ بهذه السياسات ذ خلال القرن الماضي ذ والتي كانت تتمثل في الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وانتشار النزعات الديمقراطية الجماهيرية، وزيادة قوة النقابات العمالية، فقدت تأثيرها فلم تعد تحظي بنفس القدر من الاهتمام في ظل العولمة. حيث أخذ رأس المال الأجنبي يمارس ضغوطا متزايدة علي الحكومات لخفض الضرائب، وأصبح تقليص الإنفاق الحكومي علي برامج الرعاية الاجتماعية يمثل السمة الغالبة علي كافة برامج الإصلاح” Reform” الاقتصادي في دول الشمال، وبرامج التكيف ”Adjustment” في دول الجنوب، وكذا برامج التحول ”Transition” في دول الكتلة الاشتراكية السابقة.(25)
وإذا كنا اليوم نتحدث عن عالم يزيد تكامله وتقل عدالته، فإننا نتحدث في اللحظة نفسها عن الحاجة إلي الوظيفة الاجتماعية للدولة. يصدق هذا التحليل بالأساس علي دول العالم الثالث حديثة الوفود إلي الساحة الرأسمالية، والتي أورثها إطلاق قوي السوق مشاكل جسيمة لا قبل لها بها، لكن دول العالم المتقدم العريقة في التقاليد الرأسمالية، غير معفية بالكامل من مشاكل من النوع نفسه، ففي دول الاتحاد الأوربي – قبل توسيعه مؤخرا- مالا يقل عن 18مليون عاطل، كما أن 17% من سكانه يعيشون تحت خط الفقر. (26)
وأوضاع كهذه تتطلب من الدولة الوطنية الاضطلاع بمجموعة هامة من الوظائف الاجتماعية يمكن إيجازها فيما يأتي:
1ـ تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في المجالات المختلفة من خلال آليات ووسائل جديدة تقوم علي أساس الشراكة بين الدولة والمواطنين وقوي المجتمع المدني، ومن خلال الأسلوب اللامكزي في تحديد الاحتياجات توفير الوسائل والسبل الملائمة لتلبية هذه الاحتياجات، وهو ما يعني إحياء دور المجتمع المدني في مجال تقديم هذه الخدمات.
2ـ تطوير نظم التأمينات الاجتماعية والمعاشات بما يتلاءم والظروف الجديدة وابتكار الوسائل الملائمة لإدارة واستثمار أموال التأمينات الاجتماعية، بما يؤدي إلي توفير موارد جديدة لتمويل نظم هذه التأمينات.
3ـ الاهتمام بمشكل الفقر من خلال توفير آليات نابعة من خبرة المجتمع من خلال التكافل الاجتماعي والتحول من أسلوب تقديم الإعانة إلي أسلوب المساعدة علي الخروج من دائرة الفقر.(27)
4ـ علاج الجوانب الاجتماعية لمشكلة البطالة، من خلال التعامل مع المجتمعات المحلية وتحديد طبيعة المشكلة لكل مجتمع محلي، والبحث عن أساليب نابعة من هذه المجتمعات المحلية لعلاج مشكلة البطالة بها.
5ـ إدارة الصراع الاجتماعي في أبعاده ومستوياته الجديدة المتداخلة والمعقدة وبما يؤدي إلي تقليل حدة العنف الاجتماعي لأقل درجة ممكنة، وهو ما يحقق الدرجة الملائمة من الاستقرار الاجتماعي، وذلك عن طريق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وقوي المجتمع المدني.(28)
6ـ الاستثمار في مجال تنمية الموارد البشرية في التعليم والتدريب، لأن الدولة الوطنية تحتاج إلي مزيد من العلم والمعرفة والخبرة خاصة في مجالات الاستثمار والإنتاج، من أجل مواجهة التحديات الناشئة عن تطبيق آليات السوق. مما يتطلب دعم جسور التعاون بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي من جهة وبينها وبين المجتمع ومؤسساته المختلفة من جهة أخري. بالإضافة إلي تنمية وتشجيع ملكات الإبداع بمختلف الحوافز المادية والأدبية. (29) ولأن محور الانقسام الاجتماعي قد صار بين من يعلمون ويعرفون ومن لا يعلمون ولا يعرفون، فإن قيام الدولة بتوفير الفرص المتكافئة للراغبين في التعليم والقادرين عليه واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لعصر العولمة، يمثل جوهر تحقيق العدالة الاجتماعية في هذا العصر.
ولاشك أن الحديث عن دور الدولة في مجال التعليم، يدفعنا للتساؤل عن الوظيفة الثقافية للدولة في عصر العولمة. وفي هذا الإطار لابد من التذكير أن العولمة تشكل تحديا للسيادة الثقافية للدول، مما يستتبع تأثيرا علي خصوصيتها الثقافية. لذا علي الدول اليوم أن تعمل جاهدة من أجل تجديد ثقافتها وجعلها أكثر فعالية في ضوء العولمة، التي أصبحت خلالها المنافسة بين النماذج الثقافية علي مستوي القيم والإنتاج والتنظيم قوية قوة المنافسة الدائرة بين النماذج الاقتصادية المختلفة.
وعلي هذا الأساس، تسعي الدول إلي المحافظة علي ثقافاتها والحيلولة دون تذويبها. ولن يكتب للدولة الوطنية النجاح في مسعاها هذا، إلا إذا قامت بأداء الوظائف الثقافية الآتية: (30)
1ـ أن تنمي في داخلها قيم الحرية والانفتاح والحوار والعدالة، ذلك أن هذه القيم هي التي تجعل ثقافة ما أكثر جاذبية من غيرها.
2ـ خلق تزاوج فعال بين الثقافة والتقانة الحديثة، مما يجعل الثقافة سلعة ذات جاذبية عالية يصبح من السهل قبولها والتعامل معها.
3ـ علي الدول التي تهدف إلي مواجهة التهديدات الثقافية للعولمة تقليل اعتمادها علي الخارج عن طريق العمل من أجل تقديم منتوج ثقافي يكون الأرقي والأجود.
4ـ الدول التي تتكون من مجموعات عرقية وثقافية مختلفة عليها العمل علي تفعيل التنوع الثقافي فيها بالشكل الذي يساهم في إغناء الثقافة الوطنية، ويحول دون إثارة الصراعات والانقسامات العرقية والثقافية التي نجدها اليوم أكثر بروزا.(31)
وما يمكن استنتاجه أنه مع مفاهيم العولمة والطابع الكوني للاقتصاد وانتشار القيم الديمقراطية لم تعد الدولة المورد الوحيد للخدمات الاجتماعية، بل دخل القطاع الخاص، وزاد دور الفواعل الأخري، وأضحي واجبا علي الدولة إحداث مزيد من التغيير لتتلاءم مع دورها الاجتماعي الجديد وإذا أخبرنا التاريخ بأن التنمية التي تعتمد علي سيطرة الدولة قد أخفقت، فإن التنمية دون دولة لن تنجح في النهاية.
وإذا كانت توجهات الليبرالية الجديدة تميل إلي تقليص دور الدولة، فإن مخاطر التوترات الاجتماعية سوف تفرض علي الدولة الرأسمالية العودة إلي التدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية مما يقتضي فعالية أقوي للدولة. وهو الحال نفسه علي المستوي العالمي من خلال كسب الأسواق الخارجية والمحافظة عليها ودعم الدور التنافسي علي الأصعدة الاقتصادية والسياسية.

خاتمة وتوصيات:

يكمن جوهر العولمة في إلغاء الحدود بين الدول وإسقاط الحواجز والقيود المادية والثقافية التي تعترض التدفق الحر للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والمعلومات في أرجاء المعمورة، وفي ضوء هذا المفهوم فإن العولمة تهدد بتنازل الدولة الوطنية عن سيادتها لصالح مؤسسات العولمة ووكالاتها الدولية وسوف يكون للتفاعلات الاقتصادية الدور الأعظم في توجيه سياسات الدول الخارجية وفي تحديد مصالحها الوطنية، وقد انتقل جزء من صلاحيات الدولة الاقتصادية السيادية إلي صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية.
وعلي طريق إضعاف الدولة الوطنية، تتيح العولمة للفواعل فوق الوطنية أساليب كثيرة للتعامل المباشر مع المنظمات الوطنية غير الحكومية كجمعيات المجتمع المدني دون علم الحكومة، وغالبا ما تتحول هذه المنظمات غير الحكومية إلي معبر للمنظمات غير الحكومية العالمية.
وفي ظل العولمة تعاني الدولة الوطنية – خاصة في العالم الثالث – ضغوطا لتقدّم تنازلات في حق السيادة من خلال استخدام سلاح المعونة الاقتصادية، أو التهديد بإثارة متاعب داخلية كالتلويح بورقة اضطهاد الأقليات الدينية أو العرقية أو انتهاك حقوق الإنسان.
إن العولمة ستؤثر سلبا علي أدوار الدولة الوطنية ووظائفها، ولكنها لن تلغي دور الدولة في تحقيق الصالح العام وإعادة توزيع الدخل، وإقامة العدل وتوفير الأمن والقيام بالخدمات الأساسية. غير أن دور الدولة الوطنية سيتراجع أساسا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ففي ظل العولمة يتقلص دور الدولة الوطنية – إلي حد بعيد- في دعم السلع الضرورية، والرعاية الاجتماعية وحماية الشرائح المهمشة. كما تتخلي عن التخطيط المركزي، وتتبني سياسات اقتصاد السوق، ويتعين عليها تلبية مطلب منظمة التجارة العالمية في تخفيض ثم إزالة الحواجز الجمركية.
ولاشك أن دول العالم الثالث ستكون الأكثر تأثرا بالتحديات التي تفرضها العولمة لعدة أسباب منها: ضعف أجهزة الدولة وهشاشة مؤسساتها في بعض الحالات، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مع نقص إمكانات الدولة وعدم توفر القدرات المناسبة للتصدي لتلك المشكلات.
لذلك كله، يجب علي الدولة الوطنية أن تتهيأ للتعامل مع عصر جديد، يجمع محاور اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية متداخلة. وهو ما يعني تنمية أدوار الدولة في مجالات معينة، وانسحابها جزئيا من مجالات أخري، وإعادة النظر في ثالثة أو تطويرها.
وفي هذا الإطار يخلص البحث إلي أنه يتعين علي الدولة الوطنية – خاصة في العالم الثالث – إذا أرادت ضمان استمراريتها من ناحية، وتحسين مستوي الأداء لديها من ناحية أخري، أن تبادر إلي القيام بما يأتي:
1ـ تطوير التشريعات بما يتلاءم مع الأدوار الجديدة، بمعني مراجعة التشريعات القائمة، بما فيها النصوص الدستورية المنظمة لأدوار الدولة، وذلك في ضوء الأدوار الجديدة واستحداث تشريعات جديدة تستوعب معطيات اقتصاد السوق في المجالين الاقتصادي والسياسي.
2ـ إعادة رسم السياسات التي تمكن الدولة من المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، وذلك في خضم التكتلات العالمية. مع تبني سياسات رشيدة تتوخي المواءمة بين المتغيرات الإقليمية والعالمية من جهة، والمصالح الوطنية من جهة ثانية.
3ـ إعادة تنظيم الأجهزة الحكومية المختلفة، بما ينطوي عليه ذلك من تدعيم بعض الأجهزة وتحويل الأخري، وإعادة تنمية وصياغة التفاعلات والعلاقات بين هذه الأجهزة من ناحية، ثم بين الأجهزة والجماهير والمؤسسات التي تتعامل معها من ناحية أخري.
4ـ بلورة رؤي ومفاهيم استقلالية جديدة تحافظ علي جوهر السيادة ولا تقف عند أشكالها، والتي عادة ما تكون عرضة للتبدل والتغير. وتخلي دول الإتحاد الأوربي عن عملتها الوطنية وعن المفاهيم التقليدية للحدود، مثال واضح في هذا المجال.
5ـ تبني بعض القيم الثقافية التي تؤهل مؤسسة الدولة للتعامل مع القضايا التي لم تكن واردة من قبل فعلي سبيل المثال، لابد من حرية أكبر في اتخاذ القرارات، هذه الحرية تفترض توفر قيم الثقة، سواء الثقة في الذات أو في الآخرين. وقيم المنافسة التي تقوم علي التعاون والتكامل.
6ـ دفع وتشجيع روح المبادرة في الطريق الذي يحقق التكامل بين الدولة والمجتمع المدني، وغرس وتطوير القيم الديمقراطية مثل التسامح وقبول الرأي الآخر والتعايش مع الآخرين.

الهـوامش:

1-Zaki Laidi , La crise de la Gouvernance mondiale , sur le site Internet :
http://www.Vigile.net/ds-actu/docs3/03-6-2-1htm
2-Josepha Laroche , Mondialisation : Gouvernance Mondiale , IRIS . PUF , Paris , 2003. Livre rusim sur le site Internet :
http://www.albayan.co.ae/albayan/book/3002/issue762/foriegnlib/3.htm
3ـ عبد الخالق عبد الله، عولمة السياسة والعولمة السياسية، مجلة المستقبل العربي، عدد 278أبريل2002 ص35.
4ـ هانس بيتر مارتن وهارالد شومان، فخ العولمة: الاعتداء علي الديمقراطية والرفاهية، الكويت، عالم المعرفة، 1998ص39 .
5-حZaki laidi , LETAT Mondialis , sur le site Internet : ww.Laidi.com
6ـ محمد سعد أبو عامود، ”الوظائف الجديدة للدولة في عصر العولمة”، مجلة الديمقراطية، عدد3 صيف2001 ص74 .
7ـ للتفصيل في هذه المسؤوليات يرجع إلي: برتران بادي، عالم بلا سيادة :الدول بين المسؤولية والمراوغة، عالم بلا سيادة، الدولة بين المراوغة والمسؤولية، (لطيف فرج)، القاهرة، مكتبة الشروق ، 2001ص 219وما بعدها.
8ـ فريدريك جيمسون، ”العولمة والاستراتيجية السياسية”. (شوقي جلال)، الثقافة العالمية، عدد104 فبراير 2001ص ص31 ــ32
9-Carlo JEAN , ”Consquences politiques et scuritaires de la Globalisation” .in: Mondialisation et scurit, Edition ANEP , Alger,2003 , p161.
10 ــ محمد سعيد أبو عامود، مرجع سابق، ص78 .
11- Carlo JEAN , Op.cit , p171.
12 ـ عدد الوحيد . م، ”حرب المعلومات. تحديات القرن الواحد والعشرين”، مجلة الجيش، عدد482 سبتمبر2003 ص9 .
13ـ تركي الحمد،”الدولة والسيادة في عصر العولمة ”، مجلة العربي، عدد494 يناير2000 ص60 .
14ــ جلال أمين، العولمة والدولة، في: ” العرب والعولمة” . الطبعة الثالثة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،0002 ص196 .
15-Samir Amin , Les dfis de la Mondialisation , L’Harmatton , Paris, 1997, P69.
6ــ ممدوح محمود منصور، العولمة: دراسة في المفهوم والظاهرة والأبعاد، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2003ص35.
17ـ عاطف السيد، العولمة في ميزان الفكر: دراسة تحليلية ، الإسكندرية، مطبعة الانتصار، 2001 ص 33 .
18ــ صلاح سالم زرنوقة، ”أثر التحولات العالمية علي مؤسسة الدولة في العالم الثالث ”، مجلة السياسة الدولية، عدد122 أكتوبر 1995ص 73
19ـ جلال أمين، مرجع سابق، ص 261
20ـ عاطف قبرصي، ” إعادة نظر في دور الدولة في التنمية الاجتماعية – الاقتصادية”، مجلة المستقبل العربي، عدد282 أوت 2002 ص54 .
21ـ محمد سعد أبو عامود، مرجع سابق، ص 47.
22ــ روبرت. م.ماكيفر، تكوين الدولة، (حسن صعب) ، الطبعة الثانية ، بيروت، دار العلم للملايين 1984ص 406.
23ـ وخاصة بعد ظهور النظرية العامة لكينز سنة 1963التي دعت إلي ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي من خلال إقرار مجموعة من السياسات النقدية والمالية والاجتماعية تجنبا لتقلبات أزمات النظام الرأسمالي.
24ــ هالة مصطفي، ”الدولة وجدت لتبقي ”، مجلة الديمقراطية، عدد93 صيف2001 ص 9.
25ـ ممدوح محمود منصور، مرجع سابق، ص 96.
26ـ جلال أمين، مرجع سابق، ص185.
27ــ أماني مسعود ” الدور الاجتماعي للدولة: انحسار أم استمرار؟ ”، مجلة الديمقراطية، عدد3 صيف2001 ص90 .
28ــ محمد سعد أبو عامود، مرجع سابق، ص77
29ــ عاطف السيد، مرجع سابق، ص38 .
30ــ باسم علي خريسان، العولمة والتحدي الثقافي، بيروت، دار الفكر العربي، 2001 ص ص176 .
31ــ محمد إبراهيم منصور، ”العولمة ومستقبل الدولة القطرية في الوطن العربي”، مجلة المستقبل العربي،عدد282 أوت 2002 ص150

الثورة المصرية. علامة حضارية فارقة د. احمد مجدي حجازي

رغم انتشار شعارات الحرية والديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان في كثير من بقاع العالم، إلا أن استمرار الأنساق التسلطية والنظم الشمولية في العديد من دول العالم الثالث يجعل من المتعذر حدوث تقدم اجتماعي أو تحقيق تطلعات الشعوب المتعطشة إلي الحرية، أو إحداث تغييرات كلية أو إصلاحات جزئية في الهياكل السياسية القائمة. ولذلك لم يكن أمام الشعوب في تلك البلدان إلا البحث عن سبل وأساليب وآليات غير تقليدية للتعبير عن طموحاتهم الإنسانية وممارسة العمل السياسي. ومن البديهي أن تدرك الشعوب أن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس، لقد تغيرت طبيعة ومسارات الحركات الثورية بأنماطها المختلفة؛ فقد انطلقت متحلية بأثواب عصرية جديدة غير تقليدية بما طرأ عليها من معطيات ومستجدات عصر العولمة والتكنولوجيا الرقمية، فأصبحت الحركات الثورية الجديدة هي بديل غير تقليدي للفعل السياسي، الذي يمتلك ثقافة عصرية ووسائط إعلامية قادرة علي إحداث التغييرات المطلوبة لتحقيق طموحات إنسانية تسعي إليها الشعوب. ولا جدال في أن الثورات في ثوبها سواء التقليدي أو المعاصر تتميز بقدرتها علي استهواء الجماهير وتعبئة الشعوب وتوجيهها نحو أهداف تحددها عادة قيادة أو جماعة أو صفوة لها مصالح تبغي تحقيقها، أو أناس لهم طموحات سياسية ويمتلكون مواصفات ذاتية أو كاريزمية تؤهلهم لتحريك الجماهير وتنظيمهم وفقا لمتطلبات الثورة. ومن البديهي أن نجد في مجتمعنا المعاصر تنظيم حركات اجتماعية متنوعة الأنماط تظهر في شكل احتجاجات أو هَبات أو انتفاضات تتخذ أساليب ومسارات وآليات مغايرة لما كان يحدث علي مر التاريخ.
إن التحليل العلمي للانطلاقة الثورية، التي اندلعت في الخامس والعشرين من شهر يناير عام 2011 والتي تم تسجيلها ونشر أفكارها علي نطاق واسع إلكترونياً من قبل مجموعات واعية من الشباب ”المتعطش إلي الحرية” رافعا شعارات مثل: الكرامة والعزة والسلام والديمقراطية، والعدالة والحرية، سيظل موضع اهتمام الباحثين والعلماء ورجال الفكر والساسة في العالم أجمع، حيث غيرت تلك الثورة من مقولات شاعت في الأطر النظرية التراثية تمسك بها أصحاب الفكر ”الثوري التقليدي” حول طبيعة الفعل الثوري ومقومات تشكله ومزايا الحشود الفاعلةActing Crowd والأهداف Goals والتعبئة Mobilization وكذا عملية التنظيمOrganization. مما يتطلب إعادة النظر في تلك المقولات التراثية من خلال مناقشات متعمقة وتحليلات موسعة، وعقد مقارنات بين طبيعة ومسار الحركات السياسية السالفة وتلك الحركة الثورية السلمية ”البيضاء” للوقوف علي ملامح تشكلها وتفردها بمزايا تميزها عن غيرها من ثورات اندلعت في العالم علي مر التاريخ.
وهنا تصبح التساؤلات المطروحة والأكثر إلحاحا: ماذا حدث في مصر؟ وما الخصائص المميزة لشباب الثورة؟ وما هي مسارات الحركة الثورية منذ اندلاعها وانتشار أفكار مروجيها وتداولها عبر الشبكة العنقودية؟ ولماذا وكيف ومتي التحمت الحركة الثورية مع الجماهير لتتحول إلي ثورة شعبية تطالب بـ”إسقاط النظام”؟ وما دور مجتمع المعرفة وشبكات التواصل الإلكتروني في تنامي الوعي الاجتماعي، وتوسيع دائرة الفكر الثوري، وانتشار مقولاته بين الشباب؛ صانع الانطلاقة الثورية؟ وما ردود أفعال كل من السلطة والجماهير خلال الممارسات الثورية بميدان التحرير؟ وإلي أي مدي تسير الثورة نحو تحقيق أهدافها المتصاعدة؟ وماذا بعد الثورة؟
ولا جدال في أن التساؤلات المثارة والقضايا ذات الصلة تحتاج من الباحث الأكاديمي إلي تحليلات متعمقة ورؤي منهجية غير تقليدية تساعد في فهم وتحليل المناخ الثوري المتفرد الذي حدث في مصر المعاصرة؛ تحليلات تنطلق من دراسة تستند إلي منهج ”إمبيريقي” Empirical Methodيعتمد علي رصد وتحليل الحدث ميدانيا ليكشف عن مكوناته الحقيقية، آخذا في اعتباره النسق المجتمعي والظروف البنائية Structural Condition المشكلة لانطلاق الفعل السياسي الثوري وتواصله، والعوامل الداخلية والخارجية الموجهة لقيام الحركة الثورية وتلاقي أهدافها وتلاحمها مع كافة الشرائح الاجتماعية، تلك الشرائح التي أدركت توافق مصالحها مع أهداف الحركة ومطالبها. لقد عانت فئات كُثر من أوضاع معيشية سيئة، وافتقد المواطنون الثقة في نظام دأب علي قمع حريتهم وامتهان كرامة المعارضين منهم للنظام، وأبعدهم ـ بأساليب تتأرجح بين التخويف والقمع ـ عن المشاركة السياسية الفاعلة في مجتمعهم، كما جند البعض منهم لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية تحقق مصالح ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ ”جماعات المصالح” أو ”جماعات القوي”. لقد نجح النظام باستخدام أساليب تسلطية ونظام ”أبوي”Patriarchy أسهم في سيطرة الطرف الأقوي ( أصحاب السلطة وأتباعهم من صفوة المجتمع) في مقابل خضوع وتقبل من جانب الطرف الأضعف ( الجماهير)، بالإضافة إلي استخدام السلطة لمجموعة من الأساليب التي تعمل علي تهميش جماعات من المواطنين ـ خاصة ـ أبناء الطبقة الوسطي نظراً لخشيتها من تلك الجماعات بسبب تبنيها لثقافات ليبرالية وقيم وانتماءات وطنية، وامتلاكها لقدرات علمية معاصرة، ورؤي سياسية رصينة، وتراث أخلاقي متوازن، حيث اتخذت الدولة تطبيق سياسات اقتصادية طفيلية لم تراع استقلالية القرار، ولم تقدم مشروعات تحقق استثمارات جادة تعمل علي تطوير عمليات الإنتاج، مما أدي إلي تدهور متواصل لأوضاع معظم شرائح المجتمع، وعلي رأسها تلك الفئات التي تنتمي إلي الطبقة الوسطي، فأصابها حالة من الخوف والقلق المتواصل علي أوضاعها الآنية والمستقبلية، ومن ثم كُتب عليهما ”الجهاد المعيشي والنضال اليومي من أجل البقاء”، وهو ما أدي إلي تبني ثقافة النضال أو تشكيل ظاهرة يمكن أن نطلق عليها ”معركة الصراع من أجل الحياة” فانشغلت شرائح من تلك الطبقة بالتفكير في كيفية توفير القوت اليومي وابتكار أساليب جديدة لسد حاجتها من متطلبات العيش، فأحدث لديها قلقاً اجتماعياً مستمرا، وأفقدها بالتالي وضوح الرؤية حول مستقبلها ومستقبل أبنائها، مما شكل حالة ضبابية غير محددة الملامح تتسم بـ”فوضي هدامة” صاحبها حالة من اليأس وفقدان الأمل، تلاقت معها شرائح أخري من فئات تم انفصالها فكريا عن المجتمع وأضحت في عداد المهمشين. ومن هنا أخذت المبادرة الثورية مجموعات من الشباب الواعي والمدرك للاحتقان الشعبي متسلحة بتكنولوجيا رقمية ”طيارة” تجوب الفضاء، ومعارف وأفكار ليبرالية معاصرة، مصممة علي تغيير أوضاع النظام والقضاء علي الفساد ومواجهة الظلم الاجتماعي، منطلقه من مقولة تشير إلي أن التغيير يبدأ أولاً من منظور سياسي يتمثل في ”التحرر من النظام الأبوي السلطوي” الذي يعارض مبادئ الحرية الفردية، ويؤمن بفرض السيطرة علي الجماهير، وامتلاك وسائل قمع المعارضين للنظام، ويعتبر النظام السلطوي أن السلطة لا تُجزأ ولا يجب التفريط فيها فهي حق ”للوالي” لحكم الرعية دون غيره لما يتميز به من ملكات الزعامة والحكم إنه ”العارف بأمر الكون دون غيره”.
ففي ظل هذه الأوضاع أدرك الشباب المصري ضرورة التغيير والنضال من أجل استرداد الحرية التي افتقدها فلم تتح له الفرصة فيما مضي لكي يمارسها في عالمه الواقعي، حيث غابت عن عالمه وعاش يشاهدها ”عن بعد” في الفضاء الافتراضي الذي يتعامل معه رقمياً، حيث خبر في حياته نظاماً سلطوياً يقوم علي ما يُطلق عليه في علم الاجتماع بـ”الانحدار الأبوي” لا يعترف بمبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، ومن هنا كان المخرج ”اللحظي المتاح” يكمن في إقامة عالم فضائي إلكتروني خاص يستطيع أن يمارس فيه إنسانيته المفقودة ويشعر فيه بكرامته الضائعة، ويعبر فيه بحرية عن أفكاره ومعتقداته ورؤاه. إنه ”عالم افتراضي بديل” يتفق المشاركون فيه والمنتمون إليه علي مبادئ إنسانية عامة، حيث تتوافر فيه فرص التحاور الحر والتبادل المعرفي والتواصل الاجتماعي وقبول الآخر واحترام الثقافات والأديان والمذاهب المختلفة وممارسة النقد والتعامل مع البشر دون حواجز أو رقيب. هو عالم ” شبه أفلاطوني مستحدث” في عصر المعرفة والإعلام الإلكتروني.

أولاً: الثورة التقليدية في مقابل ثورة 25 يناير:

وفقاً لجيدنز فإن الثورات تمثل طليعة الأساليب غير التقليدية في الحركات الجماهيرية المنظمة التي تُحدث تغييرات جذرية في النظام السياسي السائد باستخدام العنف. وتتطلب الحركات الثورية ـ كما أشار جيدنز ـ شروطا أساسية لاشتعال الثورة من أهمها أساليب استهواء الجماهير وتوجيهها، ويصاحبها عادة توترات وصراعات. ومن البديهي أن يتغير مفهوم الفعل الثوري وآليات ممارسته في العصر الراهن وفقا لمتغيرات عصرية مستحدثة، فقد تغيرت ملامح الحركات الثورية ومقومات اندلاعها في المجتمعات الإنسانية علي اختلاف أوضاعها.
لذا يتعين علينا أن نستجلي المعاني الكلاسيكية حول الحركة الاجتماعية في جوانبها التتقليدية والثورية في التراث السوسيولوجي، ثم نرصد لأهم التطورات الطارئة عليها في التراث النظري المعاصر.

1ــ الحركة الاجتماعية ” Social Movement” المعني والمضمون:

يشير المعني العام لكلمة ”حركة” Movement إلي سلسلة الأفعال والجهود التي يقوم بها عدد من الأشخاص من أجل تحقيق هدف معين. غير أن الاستعمال الفعلي لهذه الكلمة قد يشير إلي معاني عديدة. وبغض النظر عن المعاني الخاصة التي يقصدها العلماء الاجتماعيون حينما يستخدمون تعبير ”الحركة الاجتماعية أوالسياسية”، فإن الهدف النهائي هو إبراز الجهود التي تبذلها الجماعات والطبقات الاجتماعية من أجل تحقيق غايات خاصة.
ولقد أوضح ريموند وليامز Williams في مؤلفه الشهير ”الثقافة والمجتمع” أن مفهوم الحركة هو أحد المفاهيم الاستراتيجية في العلوم الاجتماعية شأنه في ذلك شأن مفاهيم الصناعة، والديمقراطية، والطبقة، والثقافة. والحركة بهذا المعني تمثل وسيلة لاكتشاف طبيعة التغيرات المادية والثقافية التي تطرأ علي أي مجتمع من المجتمعات(2).
لقد تبلور مفهوم الحركة الاجتماعيةSocial Movement لكي يشير إلي دراسة التغيرات الراديكالية التي تشهدها الأنساق الاجتماعية السياسية في المجتمع. وربما كانت المحاولة الرائدة لتعريف مصطلح الحركة الاجتماعية تعريفاً علمياً هي تلك التي قام بها لورانز فون شتاين Lorenz Von Stien في مؤلفه الهام تاريخ الحركة الاجتماعية في فرنسا 1789ــ 1850، والذي نشر لأول مرة عام 1850. وبدلاً من أن يدرس شتاين الثورة الفرنسية من وجهة نظر التغيرات التي طرأت علي البناء الحكومي أكد أهمية ما أحدثته الثورة من تغييرات شاملة عملت علي خلق مجتمع جديد. ويعتبر شتاين أن بناء المجتمع هو المسئول عن التغير السياسي. ووفقاً لرأيه: ”المصلحة هي جوهر كل تفاعل إنساني ومن ثم كل حركة اجتماعية هي أساس المجتمع”(3). وهناك العديد من المحاولات التي قدمها العلماء لتعريف الحركة الاجتماعية، حيث يعرف سومبارت W.Sombart الحركة الاجتماعية بأنها ”تصور لكافة محاولات البروليتاريا من أجل تحرير نفسها”. أما فريديناند تونيزF.Tonnies فقد استخدم تصوراً آخر هو ”التجمع الاجتماعيSocial Collective ”.(4) .
وتشير معظم الدراسات إلي أن الحركة الاجتماعية تسعي إلي إحداث التغيير الاجتماعي من خلال جماعات من الأفراد، وعادة ما تقوم الثورات الاجتماعية ضد الحكومات. كما أرجع بعض المنظرين الاجتماعيين بعض أشكال الحركات الاجتماعية للحرمان الاجتماعي والاقتصادي مثل الاغتراب عن وسائل الإنتاج (وفقاً لماركس). وللأفكار الثقافية الجديدة التي تؤدي إلي الشعور بنسبية الحرمان (وفقاً لتوكفيل). أو النكسات الاقتصادية المفاجئة (وفقاً لدافيز)(5).
وعلي الرغم من التقارب في الآراء التي قدمها كل من كارل دوتشDeutsch وبول ويلكنسونPaul Wilkinson حول المراحل التقليدية التي تمر بها الحركة الاجتماعية وهي التعبئة كمقدمة لظهورها، ثم مرحلة التنظيم لتحديد الأغراض المشتركة وتنفيذها. إلا أن ويلكنسون كان أكثر تحديداً حين أشار في مؤلفه حول الحركة الاجتماعية 1971 إلي معني الحركة الاجتماعية ومقومات تشكلها علي النحو التالي:
ــ الحركة الاجتماعية هي حركة جمعية مقصودة لإحداث تغيير في أي اتجاه وبأي وسيلة، ولا نستبعد من هذا المعني الحركات العنيفة غير القانونية، والثورات التي تعمل من أجل التغيير الكلي في بنية المجتمع.
ــ يتعين أن تتضمن الحركة الاجتماعية حداً أدني من التنظيم.
ــ إن التزام الحركة الاجتماعية بالتغيير والتنظيم الذي يميزها إنما يرتكزان علي الإرادة الواعية، والالتزام المعياري بأهداف ومعتقدات الحركة، والمشاركة الإيجابية من جانب أعضائها(7).
وإذا ألقينا نظرة تاريخية تراثية سوف نجد كتابات كلٍ من جان جاك روسو Rousseau وكارل ماركسMarx تحتلان أهمية خاصة بالنسبة لدراسة الحركات الاجتماعية.
وينطلق روسو في كتاباته من إيمان قوي بحق كل الناس في تنظيم مصالحهم الجمعية، وحقهم أيضاً في التمرد علي الطغيان قائلاً: ”ليس لدي أي إنسان التزاماً بطاعة أي سلطة إلا السلطة الشرعية للدولة”. ثم يذهب بعد ذلك إلي أن السلطة الشرعية الوحيدة في المجتمع الإنساني هي تلك التي تستند إلي الاتفاق بين الناس. وطالما أنه ليست هناك سلطة طبيعية للفرد علي الآخرين، فإن الأساس الوحيد الذي يجب أن تستند إليه السلطة الشرعية في المجتمعات الإنسانية هو الاتفاق. وقد انعكست آراء روسو علي الفكر الاجتماعي الثري الذي تركه كارل ماركس(8).

2ــ الثورة والتراث النظري المعاصر: 

المعني الشائع للثورة هو معني واسع بحيث يغطي أشكالاً عديدة لاستخدام القوة، قد لا تبدو قانونية أو شرعية بالمعني المحدود، ولكنها تهدف في نهاية الأمر إلي إحداث التغير السياسي، وهنا يمكننا استخدام مفهوم الثورة للإشارة إلي مجموعة من الأحداث تستخدم فيها القوة بنجاح للإطاحة بحكومة أو نظام سياسي معين. وإذا لم تنجح حركة الثورة أُطلق عليها ”تمرد” Revolt أو عصيان مسلح Insurrection أو ”انتفاضة”Uprising . وعلي الرغم من أن هناك اختلافات لغوية بين هذه المفاهيم، فإن معانيها قد تتداخل في بعض الأحيان.
ومن الصعب تحليل مفهوم الثورة دون التعرف علي جذوره التاريخية. وواقع الأمر أن هذا المفهوم يُعد من أقدم المفاهيم السياسية استخداماً. لذلك فإن تحليله يحتاج إلي بصيرة تاريخية وفهماً مقارناً. ونجد اهتماماً كبيراً بهذا المفهوم لدي فلاسفة الإغريق أفلاطون وأرسطو.
يُعد أفلاطون من أوائل الفلاسفة الذين عنوا بدراسة التغيرات التي يمكن أن تطرأ علي البناء السياسي، أما أرسطو فيُعد المؤسس الحقيقي لدراسة الثورات، حيث قدم أول محاولة شاملة لدراسة الثورة، وأفرد لها حيزاً كبيراً من مؤلفه الشهير ”السياسية”. وقد قبل مبدأ وجود الدولة، ولكن الأفكار الخاطئة تؤدي إلي الإحساس بعدم الرضا وبالتالي حدوث انقلاب سياسي، قد يعمل علي تغيير شكل الدولة بما يترتب علي ذلك من نتائج سياسية، أي أن الثورة ظاهرة سياسية تمثل عملية أساسية لإحداث التغيير الذي قد يؤدي إلي استبدال الجماعات الاجتماعية.
ثم بدأ مفهوم الثورة يأخذ معاني جديدة بفضل التطورات التي طرأت علي فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، فلقد برهنت الثورة الفرنسية 1789 لأتباع سان سيمون ثم، ماركس من بعدهم علي أن الثورة هي مرحلة من مراحل التطور التاريخي، كما برهنت للثوريين الفرنسيين أن حتمية الحركة الثورية تكمن في عدم ملاءمة النظام القديم وضرورة استبداله بنظام آخر أكثر فعالية وتعبيراً عن جماهير الشعب.
ولا شك أن مجريات أحداث الثورة الفرنسية قد تضمنت إسهامات هامة لها أكبر الأثر في تطوير مفهوم الثورة ذاته وإكسابه معان لم يكن يتمتع بها من قبل. فهي تمثل نجاحاً منقطع النظير في القضاء علي حكومة قديمة واستبدالها بحكومة أخري جديدة أكثر رشداً، كما أنها قد شكلت مبرراً منطقياً لأفعال كثير من الثوريين الذين بدأوا يعتقدون أن الثورة قد أصبحت هدفاً في حد ذاته. فلقد ازداد مفهوم ”الإرادة العامة” وضوحاً، وشكل أساساً لإعلان حقوق الإنسان، وانتشرت الفكرة الذاهبة إلي أن الثورة ما هي إلا خطوة علي طريق الكمال الذي يجب أن يسعي إليه الإنسان.
وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي للثورة، فمن المهم أن نذكر إسهام ماركس وإنجلز، حيث لم يقتصر هذا الإسهام علي بلورة نظرة محددة للثورة الفرنسية، بل تعدي ذلك إلي تطوير نظرية في الثورة الاجتماعية ذاتها. فإليهما يعود الفضل في تأكيد الجانب الاجتماعي للثورة. ومن هذه الزاوية نظراً إلي الثورة الفرنسية فوجدا أن طابعها السياسي كان أكثر وضوحاً وتأثيراً من طابعها الاجتماعي. فالحكم علي أي ثورة ـ كما يذهبان ـ يجب أن يكون نابعاً من أهداف اجتماعية معينة. وخلال محاولتهما إقامة نسق تاريخي للتطور الاجتماعي ركز ماركس وإنجلز علي الأساس المادي، حيث فسرا التاريخ بأنه صراع بين الطبقات لا الأجناس. فاحلال نظام إنتاجي بنظام آخر يؤدي إلي ظهور ضغوط سياسية وتغيرات تتبعها الثورة.
وإذا أعدنا النظر في التراث النظري المعاصر الذي يتناول الثورة، وجدنا أربعة مواقف فكرية متميزة وإن كانت تشترك جميعها في نقاط معينة:

الموقف الأول: ينطلق من مفاهيم وتصورات اقتصادية. فالثورة هي ـ في المحل الأول ـ ظاهرة اجتماعية لها أسباب اقتصادية واضحة. ويبدو أن وجهة نظر ماركس تحتل أهمية خاصة في هذا المجال، أي أن الثورة تنجم عن زيادة البؤس وانتشار الفقر.
الموقف الثاني: ينطلق من أن الثورة ظاهرة اجتماعية، ومن المحاولات النظرية التي تتسق مع هذا الموقف تلك التي قدمها جونسون Johnson، حيث عرض تصنيفاً لمختلف الحركات الثورية ميز فيه بين التمرد الفوضوي، والثورة الراديكالية، والانقلاب التآمري، والعصيان الجماهيري المسلح.
الموقف الثالث: يستند إلي قضية أساسية هي؛ أن الثورة تستند إلي احساس الفرد بالاغتراب عن المجتمع الذي يعيش فيه.ويمكننا أن نجد تأكيداً لهذه القضية في كتابات بعض علماء الاجتماع البارزين أمثال تالكوت بارسونز Parsons وروبرت ميرتونMerton . وعلي الرغم من من أنهما ذهبا إلي أن معظم أعمالهما قد انطلقت من مفاهيم سوسيولوجية في معظم الظواهر الاجتماعية، إلا أن تحليلاتهما للثورة قد كشفت عن نزعة سيكولوجية واضحة.
الموقف الفكري الرابع: من أن الثورة ظاهرة سياسية تتعلق أساساً باستبدال القوة السياسية. ويمثل هذا الموقف أرسطو وماكيافيللي ولوك. ونتيجة لذلك يمكن تفسير التحولات الاجتماعية في ضوء المعني السياسي للثورة، إذ إنه دون وجود عنصر التغير السياسي، فإنه يصعب وصف التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسيكلوجية بأنها تغيرات ثورية بأي معني من المعاني. والواقع أن تقييم هذا الموقف الفكري من الثورة ـ شأنه شأن المواقف الفكرية الثلاثة السابقة ـ يعتمد علي مضمونه الأيديولوجي ونظرته إلي الغاية القصوي للحدث الثوري.
وتتصل المواقف الفكرية السابقة بتقييم السلوك الجماعي المرتبط بالثورة بما في ذلك سلوك الزعماء والجماهير والصفوة الحاكمة بوجه عام. وقد حظيت الصفوة الحاكمة بأكبر اهتمام من جانب علماء الاجتماع. ويُعتبر جوستاف لوبون Le Bon من أوائل العلماء الاجتماعيين الذين حاولوا فهم سلوك الجماهير أو الحشود(9).
وخلال السنوات الأخيرة تطور الاهتمام بدراسة السمات السيكلوجية للزعامة أو القيادة. وربما كان مؤلف ”الشخصية التسلطية” علامة هامة في هذا المجال ،مما دفع بعض العلماء المحدثين إلي إدخال مفهوم التسلطية في دراسة الثورات.

3ـ الثورة المصرية في مقابل الثورة الكلاسيكية:

بعد أن استعرضنا المقولات النظرية الخاصة بالتراث النظري، وأفكار بعض الرواد والعلماء فيما يتعلق بالمفاهيم السائدة عن الحركة، والثورة، يجب أن نُعيد النظر فيما ذُكر في ضوء ما حدث بمصر في الخامس والعشرين من شهر يناير2011 لنوضح كيف تفردت ثورة الغضب الشعبي وما تتميز به من سمات جعلتها حديث العالم وقياداته:
ـ الجماعة الثورية في مقابل القائد الفرد: وفقاً للأطر النظرية التقليدية حول الحركات الثورية فإن البحث عن قيادة للثورة أمر محوري لاشتعال الثورة، فنجد جميع الثورات المصرية لها قيادة معلنة أو مستترة (الثورة العرابية 1879ــ 1882 بقيادة أحمد عرابي، ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، ثورة 23 يوليو بقيادة تنظيم الضباط الأحرار(10). وقد أثبتت ثورة 25 يناير عدم توافر تلك القيادة حيث أخفقت السلطة في اكتشاف القائد للتعامل معه لتسهيل تصفيته أو استقطابه، وانشغلت بالبحث عن القائد مما أفقدها اتزانها وارتباك تصرفاتها.
ـ التنظيم الافتراضي في مقابل التنظيم التقليدي: تميزت ثورة الغضب الشعبي بتنظيم معاصر ابتعد عن الصورة التقليدية التي كانت تُستخدم في الحركات الثورية السابقة، حيث جاء التنظيم للحركة الثورية بوسائل تكنولوجية معاصرة تبادل فيها الثوار من خلال الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الحر ما أفقد السلطة القدرة علي مجاراة الثوار ورصد الحجم الحقيقي لقوة الجماعات الثائرة علي المواقع الافتراضية. فقد اندلعت الشرارات الأولي الممهدة لما حدث في عالم افتراضي Virtual World جديد له سمات مختلفة ويمتلك آفاقاً من الحرية السياسية والفكرية مُفتقدة علي أرض الواقع الحقيقي الملموس. ومن ثم لم يكن التنظيم التقليدي شرطا ضروريا لاشتعال الحركة الثورية، كما افتقدت شروطا أخري مثل: المقابلات المباشرة (face to face ) بين الثوار والسلطة أو أجهزتها. ففي إطار القمع الأمني والسياج السلطوي السائد، استطاعت شبكة الإنترنت، بما تتضمنه من مواقع ومدونات وشبكات اجتماعية ومنتديات أن توفر لتلك الحركة فضاءً إعلاميًا بديلاً سريع الانتشار وقادرًا علي التفاعل مع الآخرين، وهو ما أتاح مزايا عديدة تتمثل في: السرعة، وقلة التكلفة، والتواصل مع الآخرين، وبالتالي حققت عنصر التعبئة عن بعد” إذا ما قارناها بوسائل الاتصال التقليدية. ويمكن الإشارة في هذا الصدد لما أصبحت توفره مواقع الـ ” فيس بوك” و”يوتيوب” و”تويتر” من إمكانات مذهلة من التواصل فائق السرعة. وقد ساعد علي زيادة إقبال الشباب علي العالم الافتراضي قصور الأطر المؤسسية كالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني عن القيام بدورها الفعال.
ـ التحام الجماهير الشعبية مع الثوار: لعل التحام الجماهير الشعبية مع أهداف الحركة ودعوات الشباب القيام بالمشاركة والانضمام إلي الثورة وقيامهم بالاحتجاجات المتواصلة، أفقد النظام القدرة علي المواجهة، فقد جاءت ردود أفعال أجهزة الأمن عشوائية وفي حالة من التخبط الواضح وبات مؤكدا أن فكر الرئاسة لم يتغير واستمر معبرا عن فكر أمني تقليدي يؤمن بالقمع والترويع باعتباره الأسلوب الناجع في فض المظاهرات والقضاء علي الثورات التي حدثت في التاريخ.
ـ نحو مجتمع بديل ينشد التعايش والحرية: لقد جاء تنظيم مسيرة الحياة في ميدان التحرير معبرا عن التحام الشعب مع الثورة، والقدرة علي التعايش مع كافة الفئات والجماعات الاجتماعية علي اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية، حيث تلاشت الفروق الاجتماعية والطائفية، وتحول ميدان التحرير إلي ”مجتمع بديل”؛ مجتمع ينشد الحرية، وقبول الآخر، والتعايش معه في سلام، وتوفير الحماية المدنية من خلال لجان شعبية تم تنظيمها بعناية فائقة، بالإضافة إلي إقامة نظام إعلامي خاص، لقد تحول ”ميدان التحرير” إلي مجتمع حقيقي للثوار، حيث تحققت فيه مقومات مجتمع ”شبه أفلاطوني” تسود فيه رياح الحرية والأمن وتبادل الآراء.
ـ تظاهرة سلمية رغم بطش السلطة في ”موقعة الجمل”: لا جدال في أن ثورة الغضب جاءت كحركة سلمية بيضاء، واستمرت كذلك تعبيرا عن مبدأ أساسي تبناه الثوار، لذا وجدت تعاطفا معها من معظم شرائح المجتمع، وظهرت مؤشرات ذلك في ”موقعة الجمل” كما أطلق عليها حين تدخلت جماعات موالية للنظام بأعمال قمع وعنف وتدمير، فزاد التعاطف مع الثورة ”السلمية” مما كان له أثر بالغ في صمود جماهير الثوار وتعاظم الدعم الشعبي للثورة.
ـ شواهد وأحداث ممهدة لثورة الغضب: لم تكن ثورة الغضب الشعبي التي تفجرت أحداثها في الخامس والعشرين من يناير، وليدة اللحظة وإنما كانت نتاجاً لأحداث واحتجاجات تراكمت عبر فترات استمرت لسنوات سابقة لاندلاع الثورة المعاصرة مما دعم من برنامج الثوار وإكسابهم خبرات في العمل الثوري. لقد شهد المجتمع المصري أحداثاً واحتجاجات وانتفاضات كثيرة مثل: حركة كفاية، 6 أبريل، 9 مارس، إضرابات عمالية، واحتجاجات فئوية، بالإضافة إلي كارثة الدويقة، وحوادث قطارات الصعيد، وكفر الدوار والعياط، ثم غرق العبارة السلام 98 وانتفاضة القضاة ”التي قادها نادي القضاة”، والاحتجاجات ضد تزوير الانتخابات الأخيرة، وتزوير الأحكام القضائية.
ـ ثورة حضارية: حين انصاع النظام وفقد القدرة علي المواجهة انطلقت الجماهير نحو العمل التطوعي ”لإعادة بناء مصر”. فلم ير العالم بأسره شعباً ينتفض من أجل حريته ثم يهتم بجمال ونظافة الميدان الشاهد علي ثورته وانتفاضاته، مستخدماً كل طاقاته في ضرب أروع الأمثلة الحضارية باعتباره ينتمي إلي أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية.
لذا يمكن القول إن الثورة المصرية تعد من الحركات الاجتماعية التي جمعت بين البعد السياسي الذي قامت من أجله والمتمثل في الحرية والعدالة، والبعد الاجتماعي الذي عبرت عنه بـ ”العيش” فالبعدين السياسي والاجتماعي أسهما في التلاحم الجماهيري من ناحية، والصمود أمام القمع السلطوي من ناحية أخري، مما حقق أهدافها بـ سقوط النظام.

ثانياً: التداعيات الأولية للحركة الثورية :

لقد عبر الشباب المصري في ثورته عن معارضته وإعلان عن احتجاجه عن أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية متدنية، تتمثل في مظاهر القمع وكبت الحريات وتعسف الأمن واستخدام الشرطة لأساليب الترويع والتعذيب (واقعة مقتل خالد سعيد). وتفاقم مشكلات البطالة، وتزايد حدة الفقر، وتعاظم الفجوة في الدخول، وعدم تطبيق عدالة توزيع الثروة، وإصدار قوانين جائرة في الأجور والضرائب.
وسوف نعرض في التالي لبعض مظاهر تناقضات الواقع المصري، والغضب الشعبي، وانطلاقة الفعل الثوري.

تناقضات الواقع المصري وأزماته (الاحتقان السياسي والاجتماعي) :

هناك العديد من الأسباب والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية التي أدت إلي الاحتقان الشعبي وانفجار ثورة 25 يناير سنعرض لها فيما يلي:
ـ كان حلم ”التعطش إلي الحرية” هو اللبنة الأساسية للاحتقان السياسي الذي أصاب قلق الشباب المصري وحرك فيه مشاعر النضال الثوري مما أدي إلي تنامي الوعي الجمعي بتناقضات الواقع المصري وأزمته السياسية والاجتماعية، وظهر ذلك في تلك الشعارات التي أطلقها الثوار ونادت بها الجماهير الشعبية مرددة ” الحرية، والعدالة والعيش الكريم”.
ـ لم تكن حالة الاحتقان الشعبي تقتصر علي الثوار من الشباب المتعلم والواعي بأزمة المجتمع وتناقضاته، بل امتدت تلك الحالة لدي الكثير من الفئات المهمشة منهم العمال والفلاحين والشرائح الفقيرة، والدليل علي ذلك تعاظم ظاهرتي الاحتجاج والاعتصام أمام مجلسي الشعب والشوري، وفي الشركات والمصالح الحكومية للمطالبة بزيادة الأجر وإلغاء الديون للمتعثرين في السداد من أبناء الطبقة الوسطي والفقيرة.
ـ يرصد رجال الفكر الاجتماعي. والمهمومون بقضايا المجتمع ومشكلاته مظاهر الأزمة المجتمعية (11) ، فهناك حالات من الفساد بأشكاله المختلفة وشيوع حالة من عدم الانضباط علي كافة المستويات، والتسيب واللامبالاة وازدياد أنماط من الجرائم لم يكن المجتمع المصري يعرفها من قبل (جرائم المحرمات، وجرائم المال، والنصب مثل شركات توظيف الأموال وغيرها.) ويشتكي علماء الاجتماع من ظواهر العنف وثقافة الزحام وتفكك الأسرة وإعلاء القيم المادية، واختفاء قيم التعاون والتسامح والتساند الاجتماعي، وانتشار سلوكيات سلبية مثل البحث عن الكسب السريع من أعمال غير منتجة (السمسرة، والمضاربة وبناء العمارات التي تنهار بسبب عدم مطابقتها للمواصفات الهندسية، وتدهور نمط الحياة في المدينة والقرية، وزيادة حدة التلوث والضوضاء، والقبح واعتماد القرية علي المدينة بدلا من العكس الذي كان سائدا من قبل، وزحف المباني السكنية علي الأرض الزراعية، وتجريف أجود الأراضي وتحويلها إلي كتل خراسانية صماء، وازدياد تغريب الحياة الاجتماعية، وانتشار ثقافة المحاكاة والتقليد لكل ما هو أجنبي وتحقير ما هو وطني. ويعاني المهمومون بالشأن السياسي من ضعف المشاركة في الحياة السياسية، وعزوف أفراد المجتمع عن المشاركة في الانتخابات، وانتشار التغريب السياسي والاجتماعي، وانشغال الناس عن القضايا المصيرية بمسائل أخري ليست ذات أهمية، وغياب الأهداف القومية والرؤي العقلانية والعجز عن ممارسة الحوار البناء.(12)
ـ انهيار الخدمات الصحية والعلاجية للفقراء، وتدهور أحوال التعليم، وزيادة نسب البطالة بين الشباب. وقد أكدت البيانات والتقارير الرقابية حول الصحة والعلاج كم الفساد الذي تم اكتشافه فيما يُعرف بقضية ”نواب العلاج”، الذي تكلفت مليارات لصالح رجال السلطة والوزراء والأغنياء.
ـ تزايد المناطق العشوائية وتدني أحوال المواطنين في تلك المناطق، هي إذا حركة احتجاجية شبابية تلاحمت مع الفئات الأخري في المجتمع نتيجة لتزايد حدة الفقر والحرمان البشري، لذا، اتحدت تلك الفئات الدنيا مع الحركة الثورية وتوحدت مع شعاراتها التي أطلقتها في ميدان النضال (ميدان التحرير) معبرة عن معاناتها برفع شعار ”الحرية، العدالة، العيش الكريم”.
ـ تزاوج السلطة والمال في الدولة، مما أدي إلي زيادة الهوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية، بالإضافة إلي التربح واستغلال المال العام وتعاظم حدة الفساد، وكان من البديهي تنامي حالات الاحتقان والغضب العارم لدي أبناء الشعب زادها مظاهر احتكار السلطة والقهر السياسي والفساد الإداري في أجهزة الحكم المحلي.
ـ التمرس بقيم الديمقراطية والمشاركة السياسية التي كانت محظورة في وقت سابق، والذي أدي إلي التطلع إلي التغيير السياسي، والبحث عن الحرية، ومهاجمة النظام السياسي، والمطالبة بالقضاء علي القمع والاستبداد.
ـ شهدت البلاد تمويتًا منظمًا للسياسة (من أحزاب ونقابات وجمعيات) تم تغييبها قسرًا، فقد ارتضي المعارضون بدور ”الديكور” الذي تحاول به النظم الحاكمة أن توهم العالم بأن لديها تعددية سياسية، ومن ثم فهي جادة في السير قدمًا علي درب الديمقراطية. ولو أراد بعض رجال الأحزاب أن يمارسوا جديًا دور المعارضة، فسيجدون أنفسهم مكبلين بترسانة من القوانين التي تضيق حركتهم .
ـ تضييق الخناق علي قوي المجتمع المدني، فمثلاً أممت النقابات المهنية، بعد صدور القانون رقم مائة لعام 1993، وفرضت الحراسة القضائية علي بعضها، وحرمت من أن تكون منابر سياسية، كما كان عليه الحال في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، ثم مدت الحكومة المصرية يدها إلي الجمعيات الأهلية، لتحولها إلي مجرد هيئات للنفع العام، وليس منابر اجتماعية وسياسية وثقافية حقيقية.(13)
ـ تزايد مظاهر مؤشرات كراهية الدولة وعدم الرضا العام عنها، وضعف أو انعدام الثقة بين المواطن والدولة نتيجة تزايد الوعود الحكومية التي وردت مرارًا في بيانات حكومية دون تحقق، وتزايد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانفلات الأسعار، وانخفاض قيمة العملة، وزيادة مساحات الفقر والحرمان البشري، وتهميش الطبقة الوسطي، والتي تشكو حالها(14). بسبب فقدانها توازنها الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وتزايد التمسك بالانتماءات التقليدية أو الانكفاء علي تلك الانتماءات الأولية كالعشيرة وزيادة الشعور بالرفض والضغوط.
ـ انطلقت ثورة الشباب في اليوم المخصص للاحتفال بعيد للشرطة (يوم 25 يناير)، وهو ما اتفق علية الثوار لتفجر الحركة الثورية حتي يصبح رمزا للتحرر والقضاء علي النظام السلطوي القمعي، فكانت إشارة إلي رفض ما هو ضد الطبيعة الإنسانية، بالإضافة إلي ذلك لقيت صفحة ”كلنا خالد سعيد” علي موقع الفيس بوك صدي إيجابياً لدي الشباب، تلك الصفحة التي تم تصميمها علي الفيس بوك بعد مقتل الشاب ”خالد سعيد” علي يد رجال الأمن، فضلاً عن انتشار العديد من حوادث التعذيب الناجمة عن السياسات القمعية لأجهزة الأمن.
ـ تفجر وانطلاق حركات اجتماعية في مصر انبثقت من سياسات تراكمية انتهجها النظام السياسي المصري طوال فترة حكم الرئيس السابق. مثل الحركة المصرية من أجل التغيير أو ”كفاية” (سبتمبر 2004) للاحتجاج علي إجراءات انتخابات الرئاسة، وتركز سلطات صنع القرار في مؤسسة الرئاسة، وقانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات المدنية. وتولد عن حركة كفاية ” شباب من أجل التغيير” و”كفاية من أجل التغيير”. ويمثل الإخوان المسلمون أكبر الجماعات المعارضة في مصر، وأقواها تأثيرًا ونجحت الجماعة أيضًا في حشد الدعم من أجل الإصلاح السياسي الذي يأخذ شكل الأحكام والقيم الدينية. وكرد فعل علي استبعادهم القسري من المجال السياسي، دعوا إلي حركات سياسية حاضنة وجماعية، والمطالبة بوضع حد لقانون الطوارئ، وإزالة القيود الأخري علي النشاط السياسي، كما شن القضاة الإصلاحيون في داخل ” نادي القضاة ” حملة لاستعادة استقلال السلطة القضائية، وضمان شفافية عملية الانتخابات من خلال الإشراف القضائي، ومراقبة الانتخابات. بالإضافة إلي حركة 9 مارس، حيث احتج أساتذة الجامعات علي وجود تدخل مسئولي أمن الدولة في الحرم الجامعي، ومن أجل المطالبة باستقلال الجامعات وحرية المجتمع الأكاديمي. فضلاً عن مظاهرات قبطية اندلعت في الإسكندرية ، ففي عام 2004 قامت احتجاجات علي قانون الأحوال الشخصية، وطالبوا بالحريات الدينية، وثارت احتجاجات قبطية أخري كرد فعل علي الهجوم علي الكنائس والرموز الدينية ودور العبادة،(16) وفي هذا السياق، وجدت عشرات المسميات من الحركات الاجتماعية أو الاحتجاجية، التي نشأت تباعا مثل ”لا للتوريث”، و”نقدر” و”ائتلاف المصريين من أجل التغيير” (17).
ـ جاء التزوير العلني للانتخابات البرلمانية لعام 2010 ليضفي صورة قاتمة للمشهد السياسي المصري، متحديًا أحلام المصريين في انتخابات رئاسية نزيهة، واضعًا ملف التوريث علي الطاولة، مؤكدًا بشكل ضمني علي استمرار، بل الحفاظ علي سياسة مزج رأس المال بالسلطة، متجنبًا انتهاج سياسة اجتماعية واضحة لرفع الفجوة الشاسعة بين الطبقات.
ـ قيام ثورة تونس ونجاحها في إسقاط النظام وهروب الرئيس التونسي إلي خارج البلاد كان من أبرز العوامل الخارجية لقيام الثورة، وهذا مثلما حدث في ثورة 1919 حيث كان قيام الثورة الروسية وما طرحته من إمكانية قلب الأنظمة السائدة دافعاً لتطور الحركات الوطنية في كثير من المستعمرات آنذاك، وكما تبعتها الهند والعراق والمغرب وليبيا نجد ثورة 25 يناير تلتها اليمن والجزائر وليبيا والبحرين.
ومن ثم تُعد ثورة الشباب الافتراضية هي الشرارة المؤثرة التي أدت إلي تجميع الزخم التراكمي للاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتحام الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة التي ساندت هذه الانتفاضة. وبات من الملائم تقديم احتجاجات ومطالبات فئوية، مما أدي إلي التلاحم بين بُعدين أساسيين: بُعد سياسي يتمثل في المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة والقضاء علي احتكار الساسة وإنهاء السلطة التسلطية والأبوية في النظام المصري، وبُعد اجتماعي عبرت عنة الجماهير الثائرة في مطالباتها الفئوية مثل بزيادة الأجور والتثبيت الوظيفي ومعالجة الفقر وإعادة النظر في الدخول و ترشيد الدعم ووصوله لمستحقيه، مما أسهم في توسيع دائرة الثورة الشعبية والاتجاه نحو التلاحم بين المواطنين بكل فئاتهم.
ولكن يبقي التساؤل المحوري حول لماذا نجحت هذه الثورة التي قادها الشباب في تحقيق التغيير، وهو ما لم تبلغه الحركات الاجتماعية التي شهدها الواقع المصري في الفترات التي سبقت الثورة الشعبية في 25 يناير2011 .
ـ أبرزت الخبرة الواقعية محدودية قدرة الحركات الاجتماعية السابقة كحركة ”كفاية” لتحريك المواطنين، لتركيزها علي المطالب السياسية المتعلقة بالديمقراطية والحريات وشكل نظام الحكم، وهي اهتمامات حقيقية ومشروعة للنخبة المثقفة، بينما مازالت مطالب القطاع الأكبر من المواطنين تتعلق بقضايا اقتصادية محضة كالأسعار والبطالة وانخفاض الدخول.
ـ البطء في إدارة الأزمة من جانب السلطة، حيث اتخذت خطوات متباينة تشير إلي ارتباك وعشوائية في التفكير وعدم القدرة علي مواجهة متطلبات الشباب التي بدأت طموحاتهم تتصاعد كلما تعنتت السلطة أو تباطأت في تحقيق تلك المطالب مما أدي إلي المطالبة بإسقاط النظام برحيل الرئيس.
ـ اضطرت الدولة تحت وطأة المظاهرات الحاشدة وإصرار جموع الشعب إلي تقديم تنازلات متعددة يوماً بعد يوم، من تعيين نائب لرئيس للجمهورية طالب به المواطنون منذ زمن بعيد، وإقالة الوزارة، وتعيين رئيس وزارة مكلف بتشكيل حكومة جديدة. وقد تسارعت الأحداث، وتزايد الإصرار من قبل جموع الشعب الذي انتشر متظاهراً بقوة في معظم محافظات مصر.
ـ الانشقاقات والانقسامات الداخلية في الحركات السابقة: شهدت تلك الحركات الانقسامات والانشقاقات البينية والتفتت الداخلي إلي مجموعات أصغر، وذلك يرجع إلي افتقادها للإطار الأيديولوجي الجامع، وغياب كوادر منظمة، وهيكل قيادي موحد، وافتقاد شروط العضوية، وأحد أسباب الانشقاق في هذه الحركات كان يرجع إلي ضعف الوعي السياسي الحزبي، أو استغلالهم لصالح جماعات حزبية معينة، بينما لم يكن هذا هو حال الثورة الشبابية المعاصرة التي امتلكت وعيا سياسيا واجتماعيا مكنها من فرض إرادتها(18).
ـ لقد كان استخدام ”القوة الخشنة” لقوات الأمن المركزي بتفويض من الدولة بهدف قمع عمليات الاحتجاج والتظاهر سببًا أساسيًا في تحقيق أهداف ثورة 25 يناير، ولم يخفي علي الثوار ما لجأت إليه السلطة من الاستعانة بما يسمي بـ”القوة الناعمة” وذلك باستقطاب شخصيات معارضة أملا في تزييف وعي الشباب وتحسين صورة السلطة لديهم، وقياس النبض الشعبي بعد الإعلان عن تعديل بعض السياسات الإصلاحية بهدف تبديد قوة المعارضة الجماهيرية (9) ولم تكتف بذلك وإنما لجأ النظام إلي أساليب تؤدي إلي الإحباط لدي الجماهير والاستمرار في التعنت وعدم الاستجابة للمطالب الشبابية، مما أسهم بفعالية في تعاطف الجماهير مع الثورة واتساع رقعة المؤيدين لهذه المطالب وتحولها من كونها مطالب سياسية طالب بها الشباب لتصبح مطالب اجتماعية لها مؤيدوها من الفئات الأخري في المجتمع.
ويبقي أن نشير إلي التغيرات المتدرجة التي نتجت عن هذه الثورة حتي وصلت إلي مرحلة إسقاط النظام بتخلي الرئيس مبارك عن مسؤلياته (علي حد تعبير نائب رئيس الجمهورية آنذاك).
ـ تظاهر آلاف المصريين في يوم الثلاثاء 25 يناير ”يوم الغضب” الذي شهد مظاهرات ضخمة تطالب بإسقاط النظام، والقضاء علي الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وانتشرت سيارات الأمن المركزي والسيارات المصفحة وعربات الإطفاء وسيارات الإسعاف في معظم الميادين والشوارع الرئيسية.
ـ قُتل العشرات وأُصيب المئات في اشتباكات مع الشرطة في القاهرة ومختلف المحافظات فيما عُرف ”بجمعة الغضب”، وأدي انسحاب قوات الشرطة إلي إصدار الرئيس السابق أمراً للجيش بنشر قواته ومدرعاته لحفظ الأمن والنظام وفرض حظر التجول في القاهرة والاسكندرية والسويس من 6 مساء إلي 7 صباحاً. وفي ليل الجمعة، ألقي مبارك بياناً أقال فيه حكومة ”أحمد نظيف ”. وفي وقت لاحق عين ”رئيس المخابرات العامة” 31 نائباً له، كما عين ”أحمد شفيق” رئيساً للوزراء. وقد أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية في الاثنين 31 يناير. ثم أعلن الرئيس السابق في أول فبراير عدم ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة المقبلة عندما تنتهي فترة رئاسته في سبتمبر المقبل.
ـ تم إصدار قرار بالتحفظ علي أموال بعض رجال الأعمال، ومن بينهم أحد قيادات الحزب الوطني – والوزراء السابقين والحاليين وتحديد إقامتهم، لمحاولة التخيف من حدة الاحتجاجات.
ـ دعا نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لإجراء حوار مع كافة التيارات السياسية ، فضلاً عن جماعة الأخوان المسلمين، وممثلين من شباب 25 يناير. ولكن لم تكن هذه الحوارات، والإجراءات التي سبقتها ذات جدوي ولم تؤد إلي تراجع المعتصمين – في ميدان التحرير- عن مطالبهم بإسقاط النظام برحيل الرئيس.
ـ أصدر الرئيس السابق قراراً في يوم الأربعاء 8 فبراير بتشكيل لجنة لدراسة واقتراح تعديل بعض الأحكام الدستورية والتشريعية.
ـ قام الرئيس بتفويض صلاحياته لنائبه يوم الخميس 10 فبراير، بعد أن وصلت الاحتجاجات إلي ذروتها، ولكن جاء هذا التفويض في إطار خطاب وصفه المراقبون بأنه لم يكن موفقًا، وأثار استياء المعتصمين، وزاد من تمسكهم برحيل الرئيس، كما أن بعضهم أعلن تصميمهم التوجه إلي قصر الرئاسة إمعانًا في التأكيد علي التمسك بمطالبهم.
ـ أصدر نائب الرئيس مساء الجمعة 11 فبراير بيانًا يوضح تخلي الرئيس عن مهامه للقوات المسلحة، ويعلن الشعب من جانبه بدء مرحلة جديدة قد تبدو غير واضحة المعالم.
عقب البيان الذي أصدره نائب رئيس الجمهورية (11 فبراير 2011) والذي أعلن فيه بكلمات مقتضبة تخلي رئيس الجمهورية عن مسؤولياته، وتفويض القوات المسلحة بإدارة البلاد، عمت المظاهر الاحتفالية ربوع البلاد، بل وشارك التليفزيون المصري وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية في بثها، والإعراب عن التهاني لتحقيق المطلب الأساسي للثورة الذي كان يحمله شعار ”الشعب يريد إسقاط النظام” ليتم استبداله بعد ذلك بشعار ”ارفع راسك فوق أنت مصري” ذلك الشعار الذي يعكس ملامح استرداد مصر لكرامتها، ومكانتها بين شعوب العالم، فضلاً عن استعادتها لرونقها الذي تعرض للانطفاء خلال العقود الثلاثة الماضية، بفعل ما ذكرناه من أوضاع متدنية علي المستويات كافة.
وتشهد مصر في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها استمرار المحاولات الدءوبة من جانب ما يُطلق عليها بالثورة المضادة، والتي أبرزت مخالبها منذ اليوم الأول من ثورة 25 يناير 2011 مستندة إلي عدة آليات من شأنها أن تزرع بذور الفتنة، والقلق، والخوف، وغيرها من مشاعر سلبية قد تدفع إلي انتزاع التأييد الشعبي لهذه الثورة، وربما تؤدي إلي تباكي البعض علي الاستقرار والأمن الزائفين اللذين كانا يسودان البلاد في ظل النظام السابق. ويمكن أن نشير لأبرز تلك الآليات التي ظهر بعضها فيما قبل إسقاط النظام، ومستمرة حتي كتابة هذه السطور، أو التي قضت عليها الثورة وتم استعادتها من جانب الثورة المضادة للإنقضاض علي هذه الثورة الشعبية.
ـ الإنفلات الأمني: كان الانفلات الأمني آلية أساسية للنظام السابق لمواجهة الثورة منذ أيامها الأولي، ابتداءً من اختفاء رجال الشرطة، مساء جمعة الغضب ”28 يناير 2011” وفتح السجون مما أثار الذعر في قلوب المصريين في جميع المحافظات، وتم مواجهته بتشكيل المواطنين للجان شعبية، مرورًا بإحراق أقسام الشرطة في أوقات متزامنة، فضلاً عن أعمال التخريب والبلطجة وإحراق الممتلكات الخاصة والعامة التي استمرت فيما بعد إسقاط النظام ، علاوة علي إحراق مباني جهاز أمن الدولة في بعض المحافظات بعد إخلائها، وقد أثار هذا العمل العديد من علامات الاستفهام حول ما وجد من ملفات محروقة، وأخري ”مفرومة”، وثالثة تُركت لتثير الجدل بين أفراد المجتمع، وتُحدث مزيدًا من الفوضي والبلبلة.
ـ الأزمة الاقتصادية والمطالب الفئوية: أشار المراقبون الاقتصاديون منذ اليوم الأول للثورة إلي ما ألم بالاقتصاد المصري من انتكاسة واضحة، وهو ما ردده وأكد عليه صانعي القرار في النظام السابق، ومما لاشك فيه أن جميع المواطنين قد شعروا مردود ذلك عليهم، ولكن بعد أن تحقق رحيل الرئيس حسني مبارك عن السلطة، انطلقت المظاهرات والاعتصامات المعبرة عن مطالب فئوية، والمطالبة برحيل قياداتها الذين وصموهم بالفساد، مما يزيد من خطورة الوضع الاقتصادي المصري، وبالتالي وضعه السياسي والاجتماعي.
ـ الفتنة الطائفية: شهد ميدان التحرير ـ أثناء اعتصام المتظاهرين ـ مظاهر جسدت الوحدة الوطنية بعد أن باتت شعارًا تم طمسه لسنوات عديدة علي خلفية الأحداث الطائفية المتتالية، حيث التحم المسلمون والأقباط تحت مظلة شعارات الثورة متناسين ما بينهما من اختلافات قائمة علي الدين، ولكن بعد إسقاط النظام ظهر هذا الاختلاف من جديد ليبرز خلاف ظن الجميع أنه قد رحل مع النظام السابق، ولكن يبدو أن هناك أيادي تسعي إلي تشكيل ثورة مضادة مدركة مدي فعالية ذلك في القضاء علي الأخضر واليابس، وليس علي مكتسبات الثورة فحسب.
ومن هنا ينبغي أن نخطط بشكل جدي للقضاء علي التحديات التي تواجه الثورة، وعلي الشعب المصري أن يعي أن ثورته لن تحمي مكتسباتها الحكومة – التي اختارها لأول مرة في تاريخه الحديث ( برئاسة د.عصام شرف) فحسب، بل إنه يتقاسم مع هذه الحكومة المسؤولية، فلا يجب الاستمرار في سياسة الارتكان علي صانعي القرار، ويجب المشاركة في إعادة صياغة العلاقة بين رجال الشرطة والمواطن كخطوة للقضاء علي الانفلات الأمني، والتوقف عن المطالب الفئوية لإنقاذ الاقتصاد المصري من المزيد من التردي، ونشر الوعي بين المسلمين والأقباط بما ترسبه هذه الأحداث من دمار شامل لا يعرف لاختلاف الديانة عنواناً. ومن ناحية أخري، فإنه مع إطلاق حرية تأسيس الأحزاب السياسية، وعودة الروح للنقابات المهنية بإلغاء قانون 100 لسنة 1993 الذي قيدها وقضي علي دورها السياسي، بل والخدمي أيضًا، فضلا عن الإشراف القضائي علي الانتخابات مما يسفر عن المشاركة السياسية نتيجة ثقة الشعب في القضاء. وأخيرًا تبقي الحاجة الملحة لتليفزيون مصري يعمل وفقًا لمبادئ مهنية وطنية، مع عدم افتقاد الحرفية التي جعلت مواطنيه يديرون له ظهورهم ملتفين حول قنوات قد تعمل بشكل أو بآخر لصالح ثورة مضادة أكثر عنفًا. فهل نستطيع أن نحافظ علي مكتسبات تحققت في يوم ”الغضب الشعبي” بدماء شباب ضحي من أجل مصر؟

الهوامش

1ـ أنتوني جيدنز:”علم الاجتماع”، ترجمة: فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولي، ص 468 ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلي أنتوني جيدنز: مقدمة نقدية في علم الاجتماع، أحمد زايد وآخرون (ترجمة)، القاهرة، جامعة القاهرة، كلية الآداب، مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، 2002ص ص 112 ــ 1116
2ـ السيد الحسيني: ”علم الاجتماع السياسي . المفاهيم والقضايا”، دار المعارف، القاهرة، طبعة أوليي، ص 299.
3ـ محمد علي محمد: ”أصول الإجتماع السياسي”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1980 ص ص 435 ــ 436 .
4ـ محمد علي محمد: ”أصول الإجتماع السياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص4337 وللمزيد أنظر في:
– Sombart: زSocialism and Social Movementس, London, 1909.
– Tonnies: زCommunity and Associationس, London
5- Craig Calhoun and othera: Sociology, sixth edition, New York,Mc Graw- Hill, 1994 ,p
6ـ ر. بودون وف. بوريكو: ” المعجم النقدي لعلم الاجتماع”، ترجمة: سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط أولي، 1986 ص ص 270 .
7ـ محمد علي محمد: ”أصول الاجتماع السياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص439 ــ440.
8ـ السيد الحسيني: ”علم الاجتماع الاسياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص 304 ــ 308.
9ـ السيد الحسيني: المرجع السابق ذاته، ص ص 355ــ 397
10ـ لمزيد من التفاصيل حول الثورات انظر: أحمد مجدي حجازي: ”الفلاح المصري بين التمرد والاستكانة: تحليل سوسيولوجي لحركة الفلاحين في مصر”، القاهرة، الدار المصرية السعودية، 2005.
رأي العالم في الثورة المصرية: أوباما يجب أن نربي أبنائنا ليصبحوا كشباب مصر، وزير الخارجية الألماني: مصر حقاً دولة عظيمة، رئيس وزراء إيطاليا: لا جديد في مصر لقد صنع المصريون التاريخ كالعادة، ستولتنبرج رئيس وزراء النرويج: اليوم كلنا مصريين. هاينز فيشر رئيس النمسا: شعب مصر أعظم شعوب الأرض ويستحق جائزة نوبل للسلام، السي إن إن: لأول مرة نري شعباً يقوم بثورة ثم ينظف الشوارع بعدها من هذا الذي يقدح في الثورة البيضاء.
11ـ يمكن الرجوع إلي: أحمد مجدي حجازي: ”العولمة وآليات تهميش البني التقليدية ذ التحديث من منظور مختلف”، بحث نوقش في ندوة ”تبدل القيم والأنساق الثقافية بين المدينة وأطرافها ذ الإمارات نموذجاً” والتي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، نوفمبر 1995 وحول مفهوم الفقر وقياسه يمكن الرجوع إلي المصدر التالي:
Streeten, P.سPoverty Concepts And Measurementsس In R.Vander Hoeven &P.Anker, (Eds), London:Poverty Monitoring, 4991
12ـ أحمد مجدي حجازي: أزمة القيم، مجلة الديموقراطية، عدد القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، شتاء 2003ص56 .
13ـ عمار علي حسن: الحركات السياسية الجديدة: صعوبات التجذر الاجتماعي، (في) أحمد ثابت (محرر) حدود الإصلاح السياسي، القاهرة، ميريت، 2007ص ص224 ــ 225 .
14ـ حول البعد الطبقي ونقده يمكن الرجوع إلي المصادر التالية
Scott,J; Class Analysis, ”Back to the future in sociology”,Vol.28,NO4,1994,p933
وكذلك رمزي زكي، وداعاً للطبقة الوسطي، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1997
15ـ أحمد مجدي حجازي: المواطنة والانتماء بين النظرية والتطبيق : التجربة الماليزية نموذجًا، (في) أحمد مجدي حجازي (محرر)، المواطنة وحقوق الإنسان في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، القاهرة، الدار المصرية السعودية، 2010ص ص 26ــ 27 .
16- تقرير التنمية البشرية 2008 العقد الاجتماعي في مصر: دور المجتمع المدني، ط 1 القاهرة، مطبوعات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، مايو 2008ص10.
17ـ علي الدين هلال: ”النظام السياسي المصري: بين إرث الماضي وآفاق المستقبل”، 1981 ــ 2010ص ص 469ــ 471.
18ـ علي الدين هلال:المرجع السابق ذاته، ص ص 473ــ 476.
19ـ تقرير التنمية البشرية 2008 مرجع سابق، ص10.
20ـ حسن سلامة: الشباب وحركات التمرد، مجلةالديمقراطية، العدد السا

أركيولوجيا الثورة وإعادة البعث للطبقة الوسطي د. احمد زايد

يشير مفهوم الثورة إلي شكل من أشكال التغيير الجذري الذي يؤثر علي كل جوانب الحياة، ويعيد تشكيل العلاقات (الاقتصادية والاجتماعية والسياسية) علي أسس جديدة. وغالباً ما يبدأ هذا التغير الجذري بتغيير شكل الأبنية النظامية للقوة، أي بتغيير النظام السياسي، وهو تغيير قد يتم في وقت قصير نسبياً بحيث لا يصدق المرء أن التغيير قد حدث فعلاً. وينذر هذا التغيير في النظام السياسي بتغييرات تستغرق كل أوجه الحياة، وهي تغييرات تتري وتتوالي لتحدث تحولاً بالجملة.
وبناء علي الدرس المقارن للثورات التي حدثت عبر العالم، في أزمنة تاريخية مختلفة، نجد أن الثورات تختلف في سرعتها وشمولها (حيث يمكن التفرقة بين الثورة السياسية التي تحدث بسرعة وتعمل علي تغيير كل جوانب الحياة والثورة البطيئة التي تغير المجتمع عبر فترة أطول من الوقت). وفي أسلوبها (حيث يمكن التفرقة بين الثورة العنيفة والثورة السلمية)؛ والقائمين بها (حيث يتم التفرقة بين الثورة الشعبية وبين الانقلاب الذي يتم من أعلي).
ومهما يكن المسمي الذي يطلق علي الثورة، فإن هناك شبه اتفاق علي أن لكل ثورة خصوصيتها التاريخية، التي تنبع من الظروف والسياقات التي تحيط بالثورة، وطبيعة العمليات المصاحبة لها، والنتائج المترتبة عليها. ولكن رغم الحرص علي تأكيد هذه الخصوصية في قيام الثورات، إلا أن ثمة محاولات لبحث العوامل المشتركة التي يمكن أن تولد الثورة أياً كانت الظروف المحيطة بها. ومن أهم المحاولات في تفسير قيام الثورات المحاولة التي قام بها ”تيد جور” Ted Gure في كتابه الشهير بعنوان: لماذا يثور الناس؟ المنشور (عام 1970)، والذي طرح فيه فرضية تقوم علي أن الثورة هي نتاج تلاقح بين الحرمان وتدهور شرعية النظام السياسي ونمو الأفكار الثورية (علي أي نحو كانت) فكلما ازدادت رقعة الحرمان في المجتمع، وكلما تقلصت شرعية النظام، وكلما نمت الأفكار الثورية، كلما كانت قدرة الناس علي الثورة والتمرد كبيرة.
وأحاول في هذه الورقة أن أطور هذه الفرضية لاقدم تفسيراً لثورة المصريين في الخامس والعشرين من يناير 2011. وذلك بتأسيس فرضية تربط بين وهن الدولة أو ضعفها في إدارة موارد المجتمع، ونمو الحرمان وتعدد مصادره، ونمو الأفكار الثورية وتعدد مصادرها أيضاً. ليست شرعية الدولة هي الأساس، بل قدرتها علي تلبية حاجات الناس، وعلي تعبئة الموارد من أجل تنمية مستدامة، وعلي إنفاذ متطلبات الاستقلال والعدل. وأحسب أن الفشل في الإدارة الرشيدة لموارد الدولة يؤثر تأثيراً سلبياً علي الشرعية. أما مفهوم الحرمان فقد أكد ”جور” علي أنه نسبي، ونحن نوافقه علي ذلك، ولكن الحرمان لا يتشكل علي أسس مادية فحسب، بل يمتد إلي صور من الحرمان الاجتماعي والسياسي والنفسي. يشي الحرمان هنا بأنه عملية سلب للوجود الاجتماعي للأفراد. أما الأفكار فإن الثورة المصرية المعاصرة قد كشفت عن أن الأفكار لا يجب بالضرورة أن تكون عاكسة لأيديولوجية محددة، أو لعقيدة محددة، بل هي أفكار ثورية من هنا وهناك لا تشي بأيديولوجية قدر ما تشي ”بطاقة امتعاض وقرف” أو ”طاقة غضب وتمرد” تتولد علي نحو وئيد في رحم البناء الاجتماعي إلي أن تصل إلي حد الإفاضة. تتولد الثورة هنا من نضالات الحياة اليومية المتأسسة علي الشعور بالحرمان علي مستويات عديدة، تترعرع علي ضفاف الدولة الواهنة التي أصابها العجز والشره، وهي تعبر عن نفسها بأساليب مختلفة مبتكرة من وحي اللحظة أو وحي الشعور اليومي بالحرمان، وتختلف هذه النضالات اليومية من النضال الصامت السلبي عبر الامتعاض والانسحاب والنقض الشفاهي، إلي الجماعات المنظمة التي تقوم علي شكل من أشكال التشبيك الاجتماعي، مروراً بالاحتجاجات العارضة والخطاب الثقافي والاعلامي المحمل بالثورة.
وفي هذا السياق أحاول فيما يلي أن أعرض لمقدمات الثورة كما تجسدت في وهن الدولة وفي أركيولوجيا الحرمان لدي الشعب المصري، وذلك قبل أن أعرج إلي تحليل بواكير الثورة كما اتضحت عبر نضالات الحياة اليومية للمصريين في السنوات السابقة علي الثورة:

أولا ـ وهن الدولة:

إن فهماً لمقدمات الثورة يجب أن ينظر أولاً في الطريقة التي كانت تدار بها موارد الأمة. لم تكن لهذه الإدارة قط رؤية سياسية واضحة غير تلك الرؤية الجزئية التي تشتق من خطب الرئيس وتوجيهاته، وكلها تتجه نحو تحقيق أكبر نمو ممكن قد يصل إلي7%، مع تأكيد ومزاعم بحماية محدودي الدخل والتحيز لهم من خلال برنامج للدعم من ناحية، وللضمان الاجتماعي من ناحية أخري. ولكن رغم غياب الرؤية السياسية الطموحة والخلاقة والحافزة علي التقدم الحقيقي، فإن هذه الرؤية المجتزأة كان يمكن أن تحقق إنجازات هامة لولا إدارتها الرديئة، ويمكن اعتبار هذه الملاحظات ميدانية وليست انطباعية، فقد دونتها خلال السنوات العشر الماضية وأنا ألاحظ وأشاهد كمتخصص في علم الاجتماع.
1ـ فهذه الإدارة كان يشغلها وهم النمو والحساب الجبري، ضاربة عرض الحائط بأية أفكار تدعو لرؤية اجتماعية ثقافية أشمل. وقد نأخذ مشكلة الفقر نموذجاً علي هذه الرؤية. فمعالجة هذه المشكلة تقوم علي عدد الفقراء وإحصائهم، ومن ثم تقديم يد العون المادي لهم في شكل دعم أو ضمان. ولم يتسع الصدر لأي رؤية ثقافية تقول بأن هذه الرؤية الضيقة لمشكلة الفقر تجعل الفقراء وكأنهم كتل منفصلة عن المجتمع توجد هناك، ونحن علينا أن نساعدهم علي العيش وكفي مع اتهامهم في كثير من جوانب خطابنا اليومي والاعلامي بأنهم مصدر الشر والجريمة والقنبلة الموقوتة للعنف. وتطرح في مقابلها رؤية أكثر إنسانية ورقياً تقول بأن الفقراء هم جزء من نسيج الوطن، وأن رقيهم، وتعليمهم، والارتقاء بصحتهم فيه، ومساواتهم بغيرهم في منح الفرص، فيه ضمان لدمج الفقراء في نسيج الأمة، وفتح آفاق الحراك الاجتماعي أمام أبنائهم، ليصبحوا أعضاء في الطبقة الوسطي. فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إنما يحيا أيضاً بالكرامة والإحساس الحقيقي بالوجود، وليس التهميش والاستبعاد. ولقد غضب مني وزير الضمان الاجتماعي غضباً شديداً عندما طرحت عليه هذه الرؤيا في بداية عهده في الوزارة، ولعله اقتنع بها عبر عملة لأكثر من أربعة سنوات مع الفقراء.
2ـ ومن ناحية أخري فإن هذا التوجه نحو المادة والحساب قد أدي إلي هدر فرص الاستثمار الحقيقي في الجانب البشري، مما ترتب عليه تدهور هائل في التعليم والصحة والبحث العلمي. إن التدهور في هذه المجالات الثلاثة قد وصل إلي درجة لم يبلغها في أي عهد مضي. فقد وصل التدهور في التعليم إلي الحد الذي أصبح فيه الناس يتولون تعليم الأولاد والبنات في منازلهم عبر الدروس الخصوصية، وأصبحت سياسته تقوم علي ”التدبير” لا ”التطوير”، وأضحت الدولة تدعو صراحة إلي إعادة تأهيل الخريجين لسوق العمل، وهذا أكبر اعتراف بفشل سياسات التعليم، في الوقت الذي تجمَّل فيه وجه الحياة بالحديث عن الجودة في التعليم، التي لا ندري كيف في مدارس وجامعات تنوء بما تحمل من مشكلات. ومثل ذلك يقال عن الصحة، فقد عجزت الحكومة عن توسيع شبكة التأمين الصحي، وتركت المستشفيات دون عناية، وتخبطت في سياستها الصحية حتي اعتمدت سياسة العلاج علي نفقة الدولة التي فتحت الباب للفساد والتمييز الطبقي في الحصول علي العلاج والدواء. وانقطع البحث العلمي أو كاد، ومحيت الصلة بينه وبين العملية الإنتاجية، وأصبح الحديث عنه، وعن أهمية تطويره حديث مكرر لا معني له. والغريب في الأمر في شأن هذه الجوانب البشرية والإنسانية في عملية التنمية أنها كانت ترزخ تحت وطأة هذا التخلف والتدهور، في الوقت الذي كان الخطاب الثقافي والإعلامي والسياسي يملأ الدنيا طنيناً حول تطوير التعليم، وجودة التعليم، والتنمية البشرية، والبحث والتطوير.
3ـ ويبدو أن هذا النمط من الإدارة كان يدرك أن جهوده وممارساته لا تؤتي ثمارها علي نحو كامل، لذا فقد مال إلي أن يغلف أداءه بخطاب متضخم حول الإنجازات والطموحات، وأن يسعي بهذا الخطاب إلي إرساء شرعية لنمط الأداء القائم وللقرارات التي تتخذ. وعندما نقارن بين الخطاب وبين الواقع في أي مجال نجد بوناً شاسعاً. فموقع مصر يكاد يكون ثابتاً علي مؤشر التنمية البشرية (وهو موقع متدنٍ وصل عام 2010إلي الموقع رقم 101، ونفس الشيء يقال علي موقع مصر علي مؤشر الشفافية الدولي (وصل عام 2010إلي الرقم 111)، وغيرها من المؤشرات. ولكن الخطاب عن النمو والتنمية محتدم، والحديث عن الشفافية والنزاهة والحكومة الرشيدة والعدالة الناجزة وغيرها من المفاهيم الحديثة حديث لا ينقطع. وعندما يسأل البعض لماذا لا تصل ثمار هذا النمو إلي الناس يقول القائلون من صناع هذا الخطاب إن ذلك يأخذ وقتاً. فهل ثمار التنمية تصل القاع بآخرة، أم أنها تذهب عند القمة فلا يتدحرج منها إلي القاع إلا ما سقط من الأيادي.
4ـ ورغم الخطاب المتضخم عن الحكم الرشيد (وإشارات متعددة إلي القرية الذكية رمز الحضارة في مصر) إلا أن الحكم من الداخل لم يكن رشيداً. وكنت وأنا أتأمل الحياة السياسية والإدارة الحكومية (خاصة عند مستوياتها العليا) إندهش لهذه التوليفة الغريبة بين عالم الداخل وعالم الخارج. فأنت عندما تتطلع إلي عالم الخارج وتتأمل خطابه، فأنت قد تفخر بما تسمعه، وقد تتباهي به إذا صدقته، ولكن عندما تنظر في نتائج الممارسات ومقاصدها فإنك تري عجباً. تري أولاً: أن ثمة عالماً آخر يختفي خلف هذا الخطاب المعلن هو عالم من الصداقات والشلل، والروابط الأبوية التي تسود فيها علاقات المصالح والولاء والطاعة والتشلل. وهي علاقات مضمرة لا تراها ولكنها تتجلي في مجليات خارجية تراها عندما تري شخصاً أو أشخاصاً يعينون في مناصب عليا دون أن يكون لهم تاريخ سياسي أو ثقافي؛ أو تري شخصاً أو أشخاصاً يحصلون علي مكتسبات مادية سريعة فينتقلون إلي مصاف الطبقة العليا دون سابق كفاح أو استثمار وت،سمع ساعتها أنه (أنهم) حصلوا علي أراضي من الدولة بأسعار زهيدة وأعادوا استخدامها في الحصول علي قروض أو باعوها للناس بأضعاف أسعارها؛ أو عندما تري بعض الشباب يعين في وظائف بتقدير مقبول أو جيد منخفض، وتري نظيره الفقير الحاصل علي مجموع أكبر يبكي من وطأة الظلم؛ أو عندما تري الأيدي ترتفع بالتحية لبعض كبار القوم عندما يذهبون لقضاء مصالحهم في الدوائر الحكومية بينما يقف الآخرون في طوابير طويلة لا يملكون إلا مصمصة الشفاه وضرب الأكف علي الأكف، أو عندما تري أن المخلصين في أعمالهم، وفي طموحاتهم لا يطيلون الاستمرار إذا ما شغلوا مناصب الوزارة، ويحل محلهم من هم أقل منهم جدارة ولا تجد تفسيراً يشفي غليلك، بل إن التفسيرات التي يشيعها الناس تؤكد أن الحياة تتأسس علي هذا النوع من روابط الاستزلام والخضوع والطاعة، فهذا الوزير خرج من الوزارة لأنه كان علي خلاف مع رئيس الوزراء، أو أنه رفض تمرير قانون جائر، أو أن له عند الناس شعبية تجعله خطراً علي النظام.
5 ـ ومن الأمور اللافتة في هذا النمط الخارج عن نطاق القواعد في إدارة الدولة أن الاهتمام المبالغ فيه بالمظاهر الخارجية والرموز التي تكشف عن السلطة. وتبدأ هذه المظاهر وتلك الرموز بالطريقة التي تتحرك بها الأجساد حاملة السلطة. فأنت تري الشخص بسيطاً وطبيعياً ومتواضعاً، ولكن عندما يتشبع بالسلطة يبدو جسده وكأنه يأبي التواضع ويتباعد عن كل ما هو طبيعي، فيسرع الخطا مشياً لكي يتقدم كافة الأجساد ويسبقها، ويجافي بقية الأجساد في السلام والكلام محتفظاً دائماً بمسافة بينه وبينهم، منه يبدأ الكلام وبه ينتهي، يبتهج بالمهرجانية ويغتبط بها، ويسعي دائماً نحو البريق، ونحو إعادة إنتاج نفسه في العالم الافتراضي ليبدو أكبر وأجمل وأكثر تأثيراً. ومن أهم الرموز في هذا الصدد أن يحيط الرجل الكبير (الوزير أو النظير) نفسه برجال ونساء آخرين يذهبون معه حيثما ذهب، هم كبار مستشاريه ورجاله. صحيح أن ثمة اختلافاً في هذا بين وزير وآخر، ولكن هذه قاعدة أساسية لدي كل كبير. وتجد أن هذا النمط من السلوك يتكرر كلما نزلنا إلي أسفل في سلم الإدارة. فهذا العدد من الرجال الذي يحيط بالجسد حامل السلطة يكون في أقصي عددهُ وعتاده عندما يكون الرئيس حاضراً، ويقل قليلاً مع رئيس الوزارة، ثم يقل أكثر عند الوزير، ويستمر التدرج الهابط إلي أن تري وكيل النيابة الذي يحيط به اثنان من العسكر، والعميد الذي يستقبله طاقم مكتبه أمام المبني، والمدير الذي يحيط به اثنين من مساعديه. وتصل المبالغة في المظاهر إلي أبشع صورها عندما يتحكم الرئيس أو الوزير في أجساد الآخرين، وفي الطريقة التي يجب أن يظهروا بها في حضرته. لقد حكي لي صديق عزيز أنه رأي الوزراء يتخلصون من رباط عنقهم عندما أبلغهم الأمن أن الرئيس قادم لافتتاح أسبوع شباب الجامعات دون ربطة عنق. وأخبرني أصدقاء عديدون بنفس القصة عبر خبرات أخري حتي جاء اليوم تعرضت أنا نفسي لنفس الخبرة عندما كنا ننتظر رئيس الوزراء للقاء مع الطلاب، وجاء أحد رجال الأمن يطلب من الجالسين نزع ربطات عنقهم لأن ”الباشا مش لابس كرافته”. ورغم أنني نزعت ربطة عنقي بعد بعض جدل مع رجل الأمن مثل الآخرين، إلا أنني انسحبت من مجلس الاستقبال، واكتفيت أن أكون بين الطلاب في القاعة.
6ـ ومن الأمور اللافتة للنظر في تفاعلات الإدارة الواهنة وممارساتها أنك تجدها تميل إلي النخبوية والأوليجاركية ولا تفسح المجال لديمقراطية الحوار وحراك الأفكار والأفراد. وأعني بذلك أن كل جهاز إداري تقف علي رأسه نخبة أو أوليجاركية (تعبير يدل علي العدد القليل من الأفراد يشكل طغمة طامعة في السلطة ومحافظة عليها بشتي الطرق)، لا بل شلة من الأصدقاء والأصحاب، وهي تستمر حتي وإن تغير الشخص الذي يقف علي رأس المؤسسة أو التنظيم. فقد يأتي الشخص الجديد بواحد أو أكثر من مساعدية، وما يلبثون أن يتكيفوا مع الجماعة المسيطرة بحيث تستمر الأمور علي ما يرام. وغالبا ما يكون المايسترو في عملية التكيف هذه واحد من الرجال المحنكين القدماء الذي يحتفظ به كل وزير جديد لأنه علي علم ببواطن الأمور ولا يمكن للوزارة أن تسير بغير إرادته كما يتجسد الميل إلي الأوليجاركية والنخبوية في نظام (القانون الحديدي) الذي تميل إلي استخدامه النخب السياسية والحزبية، فهي تدير الأمور من خلال عدد قليل من الأفراد، وتفرض طقوساً وتدابير توحي بأن الجميع يخضع لإرادتها، وأن بيدها الحل والعقد، ولا أحد سواها يملك من أمره شيئاً. ولقد اتضح هذا جلياً في إدارة الحزب الوطني لانتخابات مجلس الشعب عام 2010. فقد ابتكر أساليب لم نرها في أي حزب ديموقراطي، بل لم نرها في أي حزب شمولي . فلا أحد يملك حق اختيار الأعضاء المرشحين في النهاية إلا هذه القلة التي تدير الأمور من أعلي، وعلي كل شخص راغب في الالتحاق بصفوف المرشحين أن يفعل ما يطلب منه، وما يطلب منه أمر غريب: دفع مبلغ من المال، تسليم بطاقة هويته، كتابة طلب ترشيح وطلب تنازل عن الترشيح؛ يعني ذلك أن يسلم رقبته إلي سادته، وهم يفعلون به ما يريدون.
7ـ وقد أختتم هذه الملاحظات علي نمط الإدارة المصرية، بأن أتحدث عن ظاهرة سميتها ظاهرة ” التراكم البدائي”، فثمة شعور يسيطر علي أولئك الذين يصعدون إلي أعلي ــ في الثورة أو السلطة أو الإدارة ــ بأن يحاولوا الاستفادة قدر الطاقة من كل شئ. فصاحب الثروة يحاول دائماً أن يكمل ثروته بالسلطة، وصاحب السلطة يحاول أن يكمل سلطته بالصورة، وكأن الوجود ”فوق” لابد وأن يعطي لصاحبه امتيازات ومكاسب. وقد يكون هذا أمر طبيعي إذا كانت المكاسب والامتيازات في حدود المعقول، ولكن إذا زاد الأمر عن حده وفاض الكيل، وتحول الوجود ”فوق” إلي عملية ”تراكم بدائي” لكل ما يحيط بالإنسان، وتحول في كثير من الأحيان إلي فساد، فإن الأمر يبدو غريباً وشاذاً. لا أود هنا التعتيم، فقد شغل المناصب العليا في مصر الكثير من الشرفاء أصحاب الأيادي الطاهرة، ولكن الظاهرة التي أشير إليها انتشرت في الآونة الأخيرة، وشارك فيها بعض رموز السلطة والثروة، وإن كانوا قلة فقد ساهموا في نشر هذه الثقافة التي تجعل الثروة والسلطة وسيلة للعيش ”علي الوطن،” وليس من ”أجل الوطن”.
وتعبر كل هذه المظاهر عن الحالة التي سميتها ”وهن الدولة”، ليست الدولة الواهنة بهذا المعني هي دولة رخوة فحسب، ولا هي دولة فاشلة فحسب، بل هي دولة تدير الفساد، أي أنها تدير الأطماع وتدير المصالح الشخصية، وتضخم من أجهزتها ورموز سلطتها، دافعة بالشعب إلي الوقوف في دائرة الظل مهمشاً، حائراً، مكتئباً، لا يملك من أمر نفسه شيئاً إلا الشكوي والامتعاض. وفي كل الأحوال فهي دولة لا تحكمها معايير ولا قوانين، فتضعف فيها الروح العامة والإدارة العامة، فتخمل ويصيبها العجز والوهن.

ثانيا: اركيولوجيا الحرمان:

لاحظنا كيف كانت الدولة ومؤسساتها الحزبية وغير الحزبية تعاني من وهن إداري، انتهي إلي إدارة شكلانية تنتج الخطاب أكثر مما تنتج الأداء والامتياز، وتدافع عن قيم الخصوصية أكثر مما تدافع عن قيم العمومية وفضائل العدل والمساواة. وفي الوقت الذي كانت الدولة وأجهزتها تسير هذا المسار كانت الطبقة الوسطي والطبقات الدنيا تعاني من أشكال مختلفة من الحرمان الاقتصادي وغير الاقتصادي.

1ـ2 الحرمان الاقتصادي: 

ويأتي علي رأس صور الحرمان هذه الحرمان الاقتصادي الذي وصل بقطاعات كبيرة من أبناء الطبقة الدنيا من فقراء الحضر وعمال الزراعة في الريف إلي درجة الفقر المدقع، بحيث تزايد معدل الفقر في مصر باطراد عاماً بعد عام حتي تجاوز حد 20% من السكان. وتتزايد نسبة الفقراء والمحرومين إذا فكرنا في الفقر النسبي الذي يتم في ضوئه المقارنة بين مستويات مختلفة من الرفاهية، أو مستويات مختلفة من الحرمان. هنا يصل الفقر إلي 50% من السكان إذا دخلنا في قاع الطبقة الوسطي، وأخذنا في اعتبارنا صور الحرمان لدي شرائح الموظفين الذين يحصلون من وظائفهم علي أجور منخفضة.
وإذا اعتبرنا أن من يحصل علي أجر أقل من 1000جنيه في الشهر، ولديه أسرة يعولها، يدخل في عداد المحرومين، فسوف ترتفع نسبة المحرومين اقتصاديا في قاع الطبقة الوسطي إلي درجة كبيرة. وتضم هذه الفئة قطاعات كبيرة من المدرسين والمحاسبين والمحامين والموظفين العموميين الذين يفترض أن يشكلوا قاعدة عريضة للطبقة الوسطي. ويمكن القول بشكل عام إن جل أعضاء الطبقة الوسطي يعانون شكلا أو آخر من أشكال الحرمان الاقتصادي.
أما الفئات المستثناة داخل هذه الطبقة تنحصر في شريحة قليلة العدد من رجال الأعمال الذين غامروا، ودخل بعضهم في دوائر الفساد فراكموا أموالاً طائلة؛ وشريحة أدني قليلة العدد من أصحاب المهن المتخصصة الذين سمحت لهم مهنهم بالسفر إلي الخارج أو العمل الحر في الداخل فراكموا أموالاً سمحت لهم بالاستقرار النسبي، فيما عدا هاتين الشريحتين تبقي معظم شرائح الطبقة الوسطي تعاني من الحرمان الاقتصادي، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

2ـ2 الحرمان من العدل: 

تمثل قضية العدل عند المصريين قضية محورية. فالشعب المصري شعب زراعي يكره الظلم والاستبداد، خاصة انه تعرض لكليهما عبر تاريخه الطويل. وأحسب أن قيمة العدل تتجذر في نفوس المصريين من علاقتهم الطويلة بالأرض واشتغالهم بالزراعة. فكل شئ هنا يخضع لنظام عادل: المياه، العمل، والمنتج الزراعي. فمياه النهر تقسم بين الناس بالقسطاس المستقيم، ومن يحصل علي مياه أكثر فهو جائر، وأكثر جوراً من يعطلها أو يمنعها. ومن يعمل يوما ً لدي جار أو قريب يتوقع أن يرد له جاره أو قريبه يوم عمل، وإن زاد فمن عنده، وكذلك المحصول يوزع علي الأخوة بالتساوي وهم شركاء فيه. وأكثر من ذلك فالمتأمل لحياة المصريين التقليدية في الكيل والوزن ومجاملات الأفراح والمآتم، وتوزيع الأنصبة بما في ذلك أنصبة الطعام، يكتشف أن النظام الدفين الكامن خلف كل صور التبادل هو العدل في كل شئ. لذلك فقد صاح الفلاح الفصيح في وجه ظالمه وطلب منه أن يكون عادلاً:
وإذا كان المصريون قد افتقدوا – في علاقتهم بحكامهم – هذا العدل، فإنهم كانوا أكثر فقداً له في عصرهم الحديث، بل إن عصرهم الحديث قد سلبهم العدل، وبلغ ذلك أشده في عصر ما قبل ثورة 1952عندما كان 5% من السكان يسيطرون علي 59% من الأراضي الزراعية، وما قبل ثورة 25 يناير 2011، حيث سيطرت طغمة قليلة العدد من السياسيين ورجال الأعمال علي مقدرات المجتمع، وبثت في المجتمع قيماً جاهلية تبعد أبناء الطبقة الوسطي عن مواقع الامتياز وتمنحها للأقل منهم شأناً وكفاءة. وعندما ينتحر ابن العامل البسيط المتفوق الذي لا يجد له مكانا بين أبناء الأغنياء الأقل منه كفاءة لا يتحرك المجتمع، ولا ينفطر قلب الرئيس، وتسير الأمور عادية كأن شيئاً لم يكن.
لقد وصل الحال إلي درجة أن ظهر المجتمع وكأنه انقسم إلي مجتمعين، أو عالمين: عالم يجني ثمارا ً يانعة كل صباح، وتقدم له أشهي الثمار وأفضلها علي نحو دائم، ويمنح أبناؤه الفرص الوظيفية والسياسية؛ وعالم من ”الآخرين” ”البعدة” الذين يرزحون تحت وطأة الحرمان والشعور الدائم بالظلم. ولقد كان هذا الانقسام حقاً وصدقاً، تسمع عنه في أحاديث الناس اليومية عندما يقول بعضهم ”إن الدنيا استفت خلاص”، ” والبلد أتقسمت خلاص”. وأحسب أن هذا الأمر قد خلق إحساسا عاماً بالحرمان من العدل، وهو إحساس لم يكن يظهر لدي الفئات المحرومة اقتصادياً فحسب، بل إنه إحساس عام عبر عنه مثقفون وباحثون عديدون في أحاديثهم وكتاباتهم (يمكن مراجعة كتابات إبراهيم عيسي والراحل مجدي مهنا وفاروق جويده، ومراجعة بحثنا حول الأطر الثقافية الحاكمة للشفافية والنزاهة والفساد2009).

2ـ 4 الحرمان من الحرية: 

لقد فتحت العولمة آفاقاً رحبة للحرية، وأصبح الحديث عن حقوق الإنسان وحقوق الفقراء وحقوق المرأة حديثاً مفتوحاً، كما أصبحت تجارب الدول في الحرية والديمقراطية صفحات مفتوحة أمام الجميع يعرفها الكافة، ويطلع عليها من شاء، ومن لم يشأ. وفضلاً عن ذلك، فقد قدمت الانترنت نفسها نموذجاً منقطع النظير للحرية، أكاد أطلق عليه ”الحرية الإلكترونية” أو ”السيبريه”، إن الجالس أمام الشبكة العنكبوتية يمتلك حرية مطلقة لا يمكن أن يوجد لها نظير في الواقع. فهو يتحدث في كل شئ، ويتصفح كل شئ، ويقرأ عن كل شئ، يري العالم مفتوحاً أمامه علي مصراعيه، وآفاق الحوار متعددة، ووسائط الاتصال كذلك، وهو يستطيع أن يتحدث بأي لغة، بل يمكن له أن يخترع لغته الخاصة.
في هذا الأفق المفتوح وجد الإنسان المصري نفسه في أفق مسدود من الناحيتين الأفقية والرأسية. فمن الناحية الأفقية يجد أمامه جهازاً أمنياً قوياً يتجسس عليه ويتعرف علي كل صغيرة وكبيرة في حياته، ويشعره بوجوده في كل ظرف وحين. لقد تغلغل جهاز أمن الدولة في كل مكان، وأصبح تقريبا هو الحاكم في كل شئ من وراء ستار. يتدخل في اختيار القيادات، ويراقب الأنشطة بما في ذلك أنشطة المؤتمرات مهما كان موضوعها، ويراقب الأفراد في تحركاتهم الشخصية. ويقدم أفراد الأمن من هذا النوع نموذجاً علي التفاعل الطيب المتأدب، ولكنهم عندما يكون الأمر ضرورياً يتدخلون بلطف محركين أصحاب السلطة من بعيد بحيث تكون القرارات ليست قراراتهم بقدر ماهي قرارات المسئولين الذين يتحولون في هذه اللعبة إلي دمي ينفذون تعليمات أطراف أخري، وقد يتحول هذا السلوك المغلف باللطف إلي عنف إذا لم يكن هناك من بديل آخر.
أما انغلاق الأفق الرأسي فقد ارتبط بغلق فرص الحراك الرأسي. فقد أدت الميول الأوليجاركية الشديدة إلي أن تحولت المناطق العليا في دوائر صناعة القرار، وحتي المناطق الوسطي من هذه الدوائر، حكراً علي وجوه قليلة العدد. وكان تصريح السيد الرئيس الشهير بأنه سوف يعين نائباً له عندما يجد الشخص الملائم، كان هذا التصريح خير تعبير رمزي علي هذه الحالة من غلق الحراك، فلا يوجد في مصر شخص يصلح كرئيس جمهورية. والإيهام بهذه الفكرة له وظيفة هامة في إحكام القانون الحديدي للأوليجاركي؛ فهو يخلق الوهم بأن الذين يحتلون سدة العرش السياسي هم أفراد أكفاء لا غبار عليهم، ولا شية فيهم؛ وأن ما عداهم هم أدني مرتبة.
ومن ناحية أخري، فإن قبضة السلطة علي هذا النحو وإحاطتها بهذا النوع من الخطاب يجعل الباحثين عن السلطة التواقين لها في حالة هرولة دائمة وسيولة لعاب دائمة، وإذ يحدث ذلك فإنه يرسي أساساً لطبيعة القيم السياسية التي تجعل الشخص يصل إلي مصاف رجال الدولة الكبار، ليس من بين هذه القيم الإنجاز أو الأداء أو إعلاء الفضائل العليا، لا ليست هذه القيم، بل قيم الفهلوة والتملق والنفاق والاستزلام.

2ـ4 الحرمان من الكبرياء الوطنية: 

وهذا هو البعد الأخير في أركيولوجيا الحرمان، وهو نوع من الحرمان غير منظور، مثله في ذلك مثل الشعور بالظلم أو عدم الحرية. إن الإحساس بالظلم أو القيد قد يتجلي في بعض صور تجسده المعني والرمز، ولكن الحرمان من الكبرياء الوطني يظل نوعاً مضمراً من الحرمان، يقف كالغصة في الحلق، ويضفي علي النفس كآبة وحزناً شديدين. لقد كانت مصر دائماً في طليعة الدول، لا بحكم تاريخها وإنما بحكم موقعها وموضعها. ولقد حققت مصر في العصر الحديث إنجازات جعلتها في مصاف الدول الفاعلة علي الساحة الدولية، لقد كانت من أسبق الدول لتأسيس المنظمات العالمية، وعلي رأسها منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو؛ ومن قبل ذلك كانت طرفاً فاعلا في الحرب العالمية الثانية، وعلي أرضها تلاقت الجيوش المتحاربة. وبعد ثورتها عام 1952 ارتفع اسم مصر عالياً في مجال التحرر من الاستعمار، وتأسيس النهضة الداخلية.
لقد كانت مصر قائدة وزعيمة لحركات التحرير في آسيا وأفريقيا، وأسست حركة عدم الانحياز وقادتها لفترة طويلة من الزمن، وقادت الوطن العربي وأثرت في معظم بلدانه تأثيراً ثقافياً وعلمياً وسياسياً. في خضم هذه الإنجازات التاريخية وغيرها كان أهل مصر ينظرون حولهم فلا يجدون شيئاً منها. فالدول ترفع رؤوسها في كل مكان، والحديث لا ينقطع عن انحسار دور مصر الاقليمي والدولي، وأصبحت النخبة الحاكمة هي ”حاملة الحكمة” و”مخزن النصائح”، بل و”مخزن الفضيلة”، تهون مصر ولا تهون النخبة: ليس هذا الحكم من فراغ، فكلما تطاول أحد من العرب علي مصر يقول لنا حاملو الحكمة: مصر هي الأم الكبري التي لا تقف عند هذه الصغائر، ولكن عندما تجرؤ صحيفة علي الحديث من بعيد عن ثروة أسرة الرئيس أو نفوذها تصبح أزمة كبري .
لم يبق للمصريين شيء يفخرون به إلا الماضي الفرعوني، هنا يفتقد الحلم الوطني، وتفتقد الكبرياء الوطنية، بل يفتقد الإنجاز والأداء المهني الذي كنا نفخر به أمام غيرنا بسبب تدهور الأداء التعليمي وقيم العمل، بل ويفتقد القدرة علي الحلم. كثيرا ما كنت اندهشعندما يتحدث بعض المسئولين عن الحلم بالفوز بكأس العالم، واعتبار ذلك هدف قوميا، واندهش أكثر عندما استنكروا عليَّ أن أطرح فكرة ”دولة العدل” كحلم للمصريين عندما استدعتني لجنة وزارية لأدلي بدلوي الفكري أمامها.

ثالثاً: أركيولوجيا الثورة بين امتعاض الطبقة الوسطي وثورتها:

ربما يكون من التسرع أن نطلق علي هذه الثورة ثورة الشباب، أو أن نقول إنها ظهرت فجأة علي إثر تصاعد مطالب الثوار في مقابل بطء أجهزة الدولة ونخبها وقمعها الشرس للثوار. إننا بحاجة إلي أن نوسع رؤيتنا لهذه الثورة لتستغرق طبيعة الحراك السياسي داخل الطبقة الوسطي المصرية خلال العقد الماضي، ويستغرق بالتالي الأدوار التي قامت بها شرائح متباينة من هذه الطبقة ممهده للثورة ومفجرة لينابيعها.
لقد طال الزمن بالشرائح الناهضة داخل الطبقة الوسطي، وهي تري أن الدولة يصيبها الوهن، وأن الحرمان تتزايد صوره وأشكاله. لقد انتظرت أن يأتي الانفتاح الذي جاء به أنور السادات بالرخاء فإذا به يتحول إلي ”انفتاح سداح مداح ” تستفيد منه فئة قليلة من المغامرين والمنحرفين. وعندما شدد نظام السادات القبضة علي من سماهم ” بالأفندية ”. الذين ثاروا في وجه ”الباشا” الحاكم الأوحد والحكيم الأوحد، عندما حدث ذلك تم اغتيال السادات علي يد جماعة من قلب الطبقة الوسطي.
ومع مجيء نظام مبارك استبشر الناس خيراً، خاصة عندما سمعوا أول خطاب له يردد عبارات من الخطاب الناصري، وعندما سمعوه يردد أكثر من مرة المثل الشعبي القائل بأن ” الكفن ليس له جيوب”، ولكنه مع تقدم المسيرة بدأ الناس يشعرون بزيادة وطأة الظلم والتباعد الاجتماعي وانتشار الفساد وتزايد معدلات الفقر وتزايد معدلات الحرمان المادي والمعنوي. وفي الوقت الذي تضخم فيه الخطاب السياسي بالحديث عن الإصلاح والتحول الديموقراطي، والديموقراطية وحقوق الإنسان، تزايد الميل نحو إحكام القبضة الأمنية علي المجتمع، والميل نحو تزوير الانتخابات بكل أنواعها علي نحو سافر لم يسبق له مثيل في مصر. لقد أدي ذلك إلي تزايد الفجوة بين القول والفعل، وبدأ الحديث عن ”فكر جديد” حديث يثير الملل والاشمئزاز. ومع تحول الحزب الحاكم إلي حزب استحوازي يسعي للسيطرة وإحكام القبضة الحديدية، ضعفت الأحزاب الأخري، وغرق بعضها في صراعات داخلية حول قضايا ثانوية.
لقد كانت الطبقة الوسطي جزءاً لا يتجزأ من كل هذه التحولات، بل يمكن الزعم بأنها هي التي تديرها برضاء أو بغير رضاء. لقد تحول قطاع كبير من أبناء هذه الطبقة إلي خدمة هذا الجهاز السياسي المتسلط ، بل أنه صنع بأيدي أبناء هذه الطبقة، وأكاد أجزم بأن جل الناس كانوا يتصارعون لا عن الابتعاد عن هذا التسلط، ولكن علي الاقتراب منه ( أفكر في هذا السياق في الصراعات المريرة التي دخل فيها الكثيرون من أجل أن يحظوا بترشيح الحزب الوطني لهم في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ). ولكن قطاعاً كبيراً من أبناء الطبقة الوسطي كانوا يشعرون بالقرف والامتعاض والملل من جراء ما يحيط بهم من خمول ووهن سياسي، وكانوا يعبرون عن ذلك صراحة في أحاديثهم وممارساتهم، بل إن البعض من كان يشارك في مسيرة التسلط كانت تراوده نفس هذه المشاعر. ولقد شكل هؤلاء أغلبية داخل الطبقة الوسطي اختارت أن تقاوم بالصمت والامتناع عن المشاركة. فهم يعبرون دائماً عن سخطهم وقرفهم ومللهم مما هو محيط بهم، ويمتنعون عن المشاركة في أي نظام سياسي.
ولكن هذا السخط لم يتعد الأحاديث العابرة في خطاب الحياة اليومية فهؤلاء هم من أطلق عليهم ”الأغلبية الصامتة”، وأحسب أن صمتهم هذا لم يكن إلا صورة من صور المقاومة السلبية لنظام التسلط والقهر. فهؤلاء يعيشون بين شقي رحي، هم يعملون في وظائف يمسك النظام القائم بزمامها (وهم لا يمكن أن يتركوا الوظائف)، وهم لا يرضون عن الأوضاع التي يعيشون فيها، أو يعيش فيها أبناء وطنهم ، ولكنهم غير قادرين علي المشاركة في زخم الثورة إلا بالصمت، فهي إذاً ثورة سلبية لها بالتأكيد دور في تكوين تربه خصبة لنمو حركات أوسع نطاقاً وأكثر تأثيراً. ولقد كان هؤلاء هم الظهير الحقيقي لثورة 25 يناير 2011. هم الذين حرسوا الشوارع والحارات، وأقاموا نظاماً بديلاً للأمن والحياة أعطي فرصة كبيرة للثوار لكي يواصلوا مشوارهم، فقد قطع هؤلاء الطريق علي طاقة العنف الكامنة في بنية المجتمع المصري من أن تخرج لتفعل فعلها في التحطيم والتخريب، ومن ثم فإن ما قام به هؤلاء من حماية ظهر الثوار كان عملاً بطولياً لا يقل بحال عن عمل الثوار.
حوإذا كانت أغلبية الطبقة الوسطي قاومت بالصمت المرتبط بالسلبية والتعبير عن حاله من الامتعاض والملل، فإن شرائح أخري من هذه الطبقة لم تستكن، فشكلوا بذلك أركيولوجيا ثورية تراكمت الراقات منها فوق الراقات لتسجل في الفترة من 25 يناير 2011إلي 11 فبراير 2011 ملحمة الثورة المعاصرة في مصر. لقد انخرطت هذه الشرائح الغاضبة من الطبقة الوسطي في صورة من النضال اليومي عبر العمل الثقافي والسياسي، وهي صور من النضال كانت تحدث في الشارع والحارة وفي المجال العام للحوار والنقاش. صحيح أنها صور من النضال متفرقة ومتعددة في أساليبها ولكنها اجتمعت علي هدف واحد هو توجيه سهام النقد الغاضب إلي الجدران السميكة لنظام الحكم التليد. وقد يكون مفيداً هنا أن نشير علي عجالة إلي بعض صور النضال هذه:

1ـ3 الصحف المستقلة: هنا ظهر صوت القلم عبر عدد من الصحف المستقلة التي بدأت تنتشر في مصر مع أوائل تسعينيات القرن الماضي، لقد دخلت هذه الصحف في عراك حقيقي مع النظام الحاكم، عبر نشرها لقضايا الفساد من ناحية، ومطالبتها بالحقوق المدنية للمواطنين، والتركيز علي نوعية من الأخبار والخطاب السياسي والثقافي يختلف جذرياً عن خطاب الدولة. ولقد عملت هذه الصحف علي إبراز صوت المعارضة وأفردت صفحات تلو الأخري لمظاهر الاحتجاج ومعارضة توريث الحكم، وعرض المشكلات والصراعات التي تظهر داخل النقابات والنوادي المهنية والمجتمع المدني بشكل عام. لقد كانت الصحافة المستقلة هي الصوت الذي ارتفع عالياً في سماء المجال العام المصري، عاملاً علي إيقاظ نوع جديد من الوعي: نوع من الوعي يكسر حاجز الخوف، ويصد عنفوان الدولة، ويعطي نموذجاً للرأي الحر المستقل المنزه عن الهوي والغرض. لقد كان صوت إبراهيم عيسي، وفاروق جويدة، ومصطفي بكري، ومجدي مهنا، ومجدي الجلاد، وعادل حمودة، وغيرهم من كبار الصحفيين المستقلين هو المجلِّي الحقيقي لصوت الثورة المكبوتة داخل الرحم المصري، بل إن ما تعرض له بعضهم من عسف الدولة وبطشها كان خير دليل علي وجود صراع حقيقي بين قوي تمثل سلطان الدولة، وقوي أخري تناضل بالقلم وبالكلمة ، وترفع شعار التغيير والإصلاح . لقد ساهم الصحفيون المستقلون الشرفاء مساهمة فعالة في تشكيل وجدان مصري جديد وإرادة مصرية جديدة. ومن ثم فإن الصحافة المستقلة شكلت أحد الراقات الأساسية في جينولوجيا الثورة المصرية المعاصرة.

2ـ 3 البرامج الحوارية: في الوقت الذي انتشرت فيه الصحافة الحرة المستقلة، ولعبت الدور الذي أشرنا إليه في الحراك السياسي، ازدهرت البرامج الحوارية ذات الطابع النقدي علي القنوات الفضائية المستقلة. ولقد حققت هذه البرامج نجاحاً دفع التليفزيون المصري إلي إخراج برامجه الحوارية الخاصة. حقيقة أن الهدف الأسمي لهذه البرامج ارتبط بجني الأرباح من الإعلانات، وصناعة نجوم الحوار. ولذلك فقد شاب بعضها الكثير من التجاوز والخروج عن المهنية في العمل الاعلامي ( قد نفكر في هذا السياق في البرامج الحوارية الكروية وما شابهها من برامج سياسية) . ورغم ذلك فإنني أظن أن بعض هذه البرامج قد أسهم بدور كبير في عملية النقد الاجتماعي والسياسي، ربما ساعد عليه أن معظم معدي هذه البرامج من العاملين في الصحف المستقلة، الأمر الذي خلق وشائج صلة قوية بين مادة هذه البرامج ومادة الصحف المستقلة.

3ـ3 حركة حقوق الإنسان: نشطت حركة حقوق الإنسان في مصر خلال العقدين الماضيين. ولقد جاءت هذه الحركة استجابة لاهتمام المنظمات العالمية بموضوع حقوق الإنسان. ورغم أن خطاب الدولة قد تعامل مع هذا الموضوع من جوانب عديدة ، مثل إنشاء مجلس حقوق إنسان (عام 1994)، والحديث الرسمي عن العلاقة بين الديموقراطية وحقوق المواطن، نقول إنه علي الرغم من ذلك إلا أن الخطاب الرسمي ظل خاملاً وشكلانياً. أما الخطاب الأكثر قوة وتأثيراً فقد جاء من منظمات المجتمع المدني العاملة في مجال حقوق الإنسان بعامة، أو تلك التي تدافع عن حقوق فئوية مثل حقوق المرأة بخاصة. لقد تنامت هذه المنظمات وحصلت علي دعم مالي لعمليات الرصد والتدوين والمدافعة. ولقد ساهمت الكثير من هذه المنظمات في إثارة قضايا رأي عام تتصل بالتعذيب أو الحبس الاحتياطي أو سوء معاملة الأطفال (عمالة الأطفال وسوء استخدامهم)، أو سوء معاملة النساء (التحرش الجنسي علي سبيل المثال) أو عدم تكافؤ الفرص (تعيين المرأة في منصب القضاء). ولقد كان جل أعضاء هذه المنظمات من الناشطين في الحراك السياسي بعامة وفي الكتابة الصحفية بخاصة. وأحسب أن الدور الهام الذي لعبته هذه المنظمات ارتبط بتدريب عدد كبير من الشباب داخل هذه المنظمات، ومنحهم الأساس الفكري للتمرد والمكُنه للاختلاف في الرأي، وأحسب أن الكثيرين منهم قد ساهموا في ثورة 25 يناير 2011.

3ـ4 المدونات السياسية: منذ أن دخلت مصر في استخدام الانترنت عام 1993 تزايد علي نحو مطرد عدد مستخدمي الانترنت إلي درجة أن أصبح حوالي 19% من إجمالي السكان يستخدمون الانترنت حتي عام 2009. ولقد أتاح الانترنت فضاءً سياسياً جديداً، هو الفضاء الالكتروني، الذي أصبح مجالاً مفتوحاً لإبداء الرأي والحوار والتدوين الحر. وكما أكد البحث الذي أجري حول المدونات المصرية في مركز دعم القرار بمجلس الوزراء أن عدد المدونات المصرية قد وصل عام 2009إلي 160 ألف مدونة، وأن التدوين وصل إلي ذروته في عامي 2004و 2006 متفاعلاً مع الأحداث التي شهدتها هذه الفترة، والتي أجريت فيها التعديلات الدستورية، وإعادة انتخابات الرئيس ، وانتخابات المجالس التشريعية. لقد تفاعلت المدونات مع الأحداث السياسية، وتفاعلت مع الحركات السياسية المناوئة لنظام الحكم. ومع تعرض بعض المدونين للعسف والقسر من جانب الدولة، أصبحت حركة التدوين جزءاً لا يتجزأ من أركيولوجيا الغضب الثوري في مصر. هنا تقدم الأدلة، وتجري عمليات التشبيك، وتكتب صفحات نابضة بالحياة وبلغة سهلة بسيطة تساهم ــ مع الصحافة والتليفزيون ــ في الحض علي التمرد والاختلاف، كما أنها تكتب تاريخاً نابضاً لاحتجاجات الشعب بطوائفه المختلفة.

3ـ5 حركات الاحتجاج الواقعية والسيبرية: والتي أهمها حركة كفاية التي تأسست (عام2004 ( وحركة 6 أبريل التي تأسست إثر الدعوة إلي إضراب يوم السادس من ابريل عام 2008، وحركة التضامن مع عمال المحلة في إضراباتهم واحتجاجهم علي تدني أجورهم وسوء أحوال مصانعهم، وحركة كلنا خالد سعيد التي تأسست في نهاية عام 2010. ولقد تزامنت هذه الحركات مع حركات احتجاج فئوية قام بها موظفو الضرائب العقارية والأطباء والمدرسين وأساتذة الجامعات للمطالبة بزيادة الأجور. لقد شكلت هذه الحركات علي أرض الواقع، وفي الفضاء الإليكتروني صوراً متعددة من الاحتجاج الذي يحمل رسائل قوية للنظام. رسائل تتراوح بين رفض التوريث، والمعارضة الصريحة، وعدم الموافقة علي سياسات الدولة، ومحاربة الفساد بكل صوره، والعمل علي زعزعة الأسس المستقرة التي يقوم عليها النظام الأمني والتسلط السياسي، وفضح التزوير في الانتخابات العامة، وفي الروابط والاتحادات المعنية. ولقد ارتبطت كل هذه الحركات ببعضها عبر الانترنت، فكان عملها أكثر كفاءة، وكانت قدرتها علي الحشد والتعبئة أسرع.
ولقد كان الحشد الذي تراكم في ميدان التحرير بدءاً من يوم الخامس والعشرين من يناير أحد ثمار هذه القدرة العالية علي التعبئة، وهو الحشد الذي إنتهي إلي سقوط النظام، ولكن هذا الحشد لم يكن مجرد حشد من شباب الانترنت، بل كان حشداً لأركيولوجيا ثورية متعددة المراتب تولدت في رحم الطبقة الوسطي المصرية، والطبقة العاملة المصرية، وتراكمت لتصل إلي ذروتها في هذا اليوم العظيم. ولقد توافر للثورة عوامل نجاح عديدة منها الطريقة التي كان يستجيب بها النظام لمطالب الثوار، ولكن من أهم هذه العوامل قيام الأغلبية الصامتة الممتعضة بتنظيم نفسها في الشوارع والحارات لتخلق حوكمة بديلة، ولتعمل كظهير للثورة يحمي المجتمع من تفجر طاقة العنف الكامنة فيه (من جراء الحرمان أيضاً)، ولو كانت تفجرت ما نجحت الثورة.

قراءة في ثورات المجتمع المصري

إذا ما نظرنا إلي قضية علاقة الشعوب بالسلطات الحاكمة والظواهر التي تنتجها هذه العلاقة فإن كافة المعطيات المستخدمة لوصف هذه العلاقة أو الظواهر المرتبطة بها لاتبدو محايدة خاصة عندما يتم دراسة ظاهرة الصراع بين الجانبين، فهناك علي سبيل المثال تعبيرات عديدة تصف هذه الحالات مثل ”الثورة”، ”الهوجة”، ”العصيان”، ”التمرد”، الانتفاضة.، فالتعبير ”الأول” ــ الثورة ــ هو من حظي باهتمام أكبر من قبل المنظرين في العلوم الاجتماعية، وبالأخص في الدراسات التاريخية والسياسية. وهذه التعبيرات استخدمت بطبيعة الحال في وصف العديد من التحركات الجماهيرية الواسعة عبر التاريخ المصري الحديث، سواء من جانب من نشطوا أو شاركوا في هذه الأحداث أو من جانب الباحثين والمؤرخين أو من خلال الخطاب الرسمي للسلطة الحاكمة، وهو ما قد ينسحب في الوقت الحاضر ومستقبلاً علي ماحدث في الخامس والعشرين من يناير 2011.
لن نعود إلي التاريخ البعيد، رغم أن هناك أحداث كثيرة منذ العصر الفرعوني وصفت بأنها ثورات للشعب المصري، فسوف نركز فقط علي ماتم تلقينه للأجيال المصرية منذ عام 1952عن التاريخ المصري الحديث والذي يبدأ بحملة نابليون علي مصر عام 1798.
فقد تغير وصف هذه الأحداث بعد ثورة الضباط الأحرار في عام 1952عندما أخذ ينظر إلي التاريخ من منظور دور العسكريين المصريين فيه، ومن ثم فقد تم إسقاط تعبير هوجة عرابي الذي كان سائداً قبل 25 ليحل محله ثورة عرابي أو ثورة الجيش المصري في مطلع ثمانينات القرن التاسع عشر، واحتوي التناول علي مبالغة شديدة في وصف المضمون والوطني لهذه الثورة والبطولات التي حققها الجيش المصري في مواجهة الإنجليز والخديوي، في المقابل كانت هناك دراسات أخري ــ غير ذائعة ــ قد تناولت الحدث ذاته بمنظور نقدي، وأكدت علي الطابع الفئوي لحراك بدأ بمطالب محددة للجيش المصري وانتهي بانضمام جماهيري إليه أملاً في توسيع نطاق المطالب الاجتماعية للأغلبية من المصرين، كما أعادت هذه الدراسات تقييم الأداء السياسي والعسكري لقادة هذا الحدث، بل تناولت السيرة الذاتية لبعض رموزه البارزة مثل عرابي ومحمد عبده وعبدالله النديم ومحمود سامي البارودي وغيرهم، وشاب هذا العرض النقدي أحياناً نوع من التعريض بنوايا وكفاءة عرابي ورفاقه، ولكن مابقي في النهاية نتيجة حكم ”العسكر” لمصر منذ عام 1952، أن مصطلح الثورة طغي علي مصطلح الهوجة لأسباب واضحة تتعلق برغبة العسكريين منذ عبدالناصر في إيجاد عمق تاريخي لدور المؤسسة العسكرية في صناعة التاريخ المصري، وساعد علي ذلك أن الذاكرة الوطنية المصرية ــ وربما الذاكرة القومية والوطنية لأي شعب ــ تتأثر ببعد المسافة الزمنية بين الحدث المؤرخ له وبين الاهتمام الجماهيري به.
واجمالا كانت هوجة أو ثورة عرابي ذات مردود سلبي علي مصر التي فقد إستقلالها النسبي عن الدولة العثمانية لصالح الاحتلال البريطاني المباشر، كما تعمقت الروح الانهزامية في أوساط النخب التي شاركت في هذا الحدث لتؤثر علي الحركة الوطنية إجمالاً لسنوات طويلة امتدت حتي منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.
الحدث الثاني الأكبر في التاريخ المصري كان اندلاع ثورة 1919والتي وضعت لنفسها هدفاً هو إنهاء الاحتلال البريطاني، ووفقاً للرؤيةالتي سادت بعد عام 1952في ظل حكم العسكريين لم تكن هذه الثورة مكتملة الأركان وغلب عليها التناقض ما بين حراك جماهيري واسع وبين قيادة تمثلت في حزب ”الوفد” استخدمت هذا الحراك لتحقيق أهداف أقل من تلك التي حددتها الكتلة الجماهيرية لنفسها، وهكذا انتهت هذه الثورة بمصر إلي وضع استقلال منقوص (تصريح 28فبراير 1922) وبمشاركة محدودة للطبقة المتوسطة ”الجنينية” في التمتع بمكاسب هذه الثورة التي ذهبت إنجازاتها بشكل كامل للطبقة الاقطاعية ”أصحاب المصالح الحقيقية كما كانوا يسمون أنفسهم”.
لم يكن هناك ثمة خلاف كبير في كتب التاريخ المصرية الرسمية علي وصف أحداث مارس عام 1919علي أنها ثورة ولكن كان هناك نوع من تقليل المساحة التي تشغلها في صنع التاريخ الوطني للمصريين، بسبب عدم مشاركة العسكريين فيها من جانب، ومن جانب آخر ظل حكم الرئيس عبد الناصر ومن بعده السادات علي حذر من وضع تاريخ ”1919” في صورته الكاملة خوفا من إحياء مشاعر التعاطف مع ”حزب الوفد” والذي كانت جنازة زعيمه مصطفي النحاس عام 1965مؤشراً علي أن ذاكرة المصريين ووجدانهم ماتزال تحمل تقييماً إيجابياً لزعماء هذا الحزب، حيث شارك في هذه الجنازة عشرات الآلاف رغم الحكم البوليسي القاسي الذي كان سائدا آنذاك ورغم تسلط مناهج التعليم ووسائل الإعلام علي عقول الناس وإصرارها علي وصف كل ما كان قبل عام 1952 بالعهد البائد والحقبة المظلمة في التاريخ المصري.
الحراك الجماهيري الثالث في مصر أتي في أعقاب حركة الضباط الأحرار في 23يوليو عام 1952 وخلال فترة لم تزد علي عامين تم تداول قضية الحريات الحزبية والديمقراطية وعلاقة السلطة بالقوي الاجتماعية، وانتصر الجناح المؤيد لفكرة التركيز علي القضايا الاجتماعية وفرضت مقايضة غير معلنة بين الشعب المصري والنظام الجديد بقيادة جمال عبد الناصر بمقتضاها، اتجهت الحركة نحو توسيع الاصلاحات الاجتماعية وصولا للقضاء علي طبقة كبار ملاك الأرض ( أو ما كانوا يسمون في الماضي بأصحاب المصالح الحقيقية) مقابل تقزيم مساحة الحريات العامة عبر نظام سلطوي تضخمت فيه دور الأجهزة الأمنية. وعلي مدار سنوات طويلة خاصة بعد رحيل جمال عبد الناصر دارت نقاشات كثيرة بين أفراد النخبة المثقفة حول التوصيف الدقيق لما حدث في 23يوليو والتي بدأت كإنقلاب عسكري صرف ثم تحولت بعد التأييد الجماهيري الواسع لها لوصف نفسها بالثورة المكتملة الأركان والتي تخضع لمعايير النظرية الثورية وفقا للمقولة الماركسية التي تحدد الثورة، بأنها تحول في نوع القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها الحكم، وهو ماكان قد حدث بالفعل بعد أن قضت حركة الجيش علي النظام الملكي وحولت البلاد إلي جمهورية وبعد أن أطاحت أيضا بطبقة كبار ملاك الأرض والبرجوازية الصناعية الناشئة لتتحالف مع العمال والفلاحين أو تعتبرهم قاعدتها الإجتماعية الجديدة، وجاء التنظيم السياسي الأوحد الذي ابتكرته عبر تطوراته (الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي) ليضع صيغة تحالف قوي الشعب العامل محل الديمقراطية بمعناها الأصيل. ولكن تجربة عبد الناصر سرعان ما تبددت بعد هزيمة يونيو عام 1967 ثم وفاته عام 1970 وتحول خليفته أنور السادات نحو إجراءات أولية في اتجاه تخفيض دور الدولة في الاقتصاد والبحث عن حل سلمي للصراع العربي، الإسرائيلي. كما يمكن الإشارة أيضا إلي الفترة القصيرة التي ظل الإعلام المصري يصف فيها صراع السلطة الذي دار بين السادات وخصومه من اتباع عبد الناصر في مايو 1971 والذي انتهي لصالح السادات، باسم ”ثورة التصحيح” إشارة إلي أن ماحدث كان تصحيحا للإنحراف الذي عانته ثورة 1952 علي يد حواري عبد الناصر بعد وفاته، غير أن التعبير تلاشي هو الآخر بعد موت السادات ليصبح جزء من مشكلة الصراع علي السلطة ليس إلا، وفي كل الأحوال لم تكن أحداث يوليو 25 لتتطابق مع فكرة الثورة، كما نظر لها الماركسيون ــ باعتبارهم أصحاب أكثر مدارس علم الإجتماع بحثا في ظاهرة الانقلابات العنيفة في المجتمعات الانسانية، وحددت معني للثورة بأنه تغيير في الطبقة الحاكمة وعلاقات الانتاج، ولكنها للإنصاف أحدثت ”أي ثورة يوليو” ما يشبة نتائج ثورة حقيقية وهو ما يفسر ما حظت به من تأييد جماهيري بشكل واسع حتي رحيل عبد الناصر علي الأقل.
الحراك الجماهيري الرابع في تاريخ المصريين الحديث كانت أحداث فترة امتدت علي مدة أربع سنوات 1968ــ 1972 شهدت فيها وصول المواجهة بين بعض طوائف الشعب ونظام الحكم إلي مستوي مرتفع تمثلت في مطالب رفعها الطلاب الجامعيين بإعادة محاكمة المتسببين في هزيمة يونيو عام 1967، وانتهت هذه المواجهات في دفعتها الأولي في خريف 1968 دون تحقيق نتائج ملموسة في إطار أهدافها، ثم جاءت المواجهة الثانية الكبري عام 1972. وتميزت برفع الطلاب لشعارات الديمقراطية والحريات العامة جنبا إلي جنب مع شعار تحرير الأرض المحتلة، وقد وصفت هذه الأحداث بمصطلح ”الانتفاضة الطلابية” وكان وصفاً دقيقاً سواء علي مستوي نوعية المشاركين أو علي مستوي كونها لا تطرح تغييرا في النظام ذاته بل في توجهاته خاصة فيما يتعلق بقضية الديمقراطية، وانتهت هذه الانتفاضات بدورها دون أن تحقق نتائج واضحة، واتت حرب أكتوبر عام 1973. وما حققته من نتائج علي مستوي التحرير الجزئي للأرض المحتلة لتذهب الأمة المصرية في اتجاه مطالب إجتماعية رفعتها انتفاضة 18، 19يناير 1977 وبدورها لم تطرح هذه الانتفاضة شعارات المطالبة بتغيير النظام وتمركزت حول الاحتجاج علي الأوضاع الاقتصادية ــ الاجتماعية القائمة وشابتها شعارات أخري أكثر علواً في الصوت طالبت باستئناف القتال من أجل إسترداد بقية ”سيناء”، وبدلا من أن تحقق هذه الانتفاضة أهدافها اتجه نظام حكم الرئيس السادات بقوة صوب تحرير الاقتصاد وزيادة القبضة الأمنية (إدخال الشرطة إلي الجامعة في صورة حرس الجامعة) ونحو مزيد من التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وصولا إلي إقامة السلام مع إسرائيل وإدارة مصر ظهرها إلي العرب والقوي المسماة بالثورية في المنطقة بالكامل، وهو ما يعني أن هذه الانتفاضة كانت مثل ثورة أو هوجة عرابي التي أتت بنتائج عكس التي كانت تطالب بها بل دعمت اتجاهاً كان السادات يسير فيه علي استحياء بالقطع مع روابط المرحلة الناصرية بكل تجلياتها، ثم مضي فيه بخطوات أوسع عقب هذه الانتفاضة مباشرة بالقيام بزيارة القدس في نوفمبر 1977.
من الاستعراض السابق لتاريخ أحداث وُصفت بالثورة أو الهوجة أو الانتفاضة نجد أن كل هذه التوصيفات اعتمدت علي التوجه الأيديولوجي للنظم التي كانت تحكم مصر في ذلك الوقت. يبدو أن شيئنا من هذا يجري الآن في وصف أحداث 25 يناير والتي نراها أنها تفتقر لمعني الثورة بالمفاهيم العلمية حيث اقتصرت علي الاطاحة بوجوه النظام القديم (مبارك وعائلته وبعض أقطاب الحزب الوطني الحاكم) ومن السابق لأوانه معرفة التطورات التي ستحدث وفقا لتصورات المجلس العسكري الحاكم حاليا فكل السيناريوهات مطروحة وفقا للائحة:
أولها: أن تمضي الاصلاحات الديمقراطية في مسارها التدريجي ولا يتم تحجيم القوي الاجتماعية التي ساندت النظام وتحكمت في مقاليد الأمور لسنوات طويلة في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وبذلك يكون ما حدث في الخامس والعشرين من يناير مجرد إصلاح من داخل النظام، خاصة إذا ما عكست المجالس النيابية والتمثيلية (مجلس شعب ومجلس شوري، محليات) نسبا مختلة لتمثيل القوي السياسية والاجتماعية.
ثانيها: أن تحدث ردة علي ماتحقق من نتائج في 25 يناير نتيجة تزايد عناصر الفوضي في المجتمع المصري مما يدفع المجلس العسكري للبقاء لفترة أطول.
ثالثها: أن تنقض القوي الدينية (الاخوان، السلفية) وتتحكم في مصير البلاد عبر عملية ديمقراطية اجرائية لايوجد ضمان حقيقي لمنع الارتداد علي مكاسبها لاحقاً وبالوسائل الديمقراطية نفسها.
رابعها: أن تدخل البلاد في أزمة أنظمة حاكمة قصيرة الأجل نظرا لإرتفاع حدة التوتر الاجتماعي، وحدة التربص بين القوي السياسية القائمة.
والسيناريوهات الثلاث الأخيرة ستكون مثلها مثل السيناريو الأول لا تحقق للثورة معناها المتعارف عليه إلا من زاوية يمكن إعتبارها نقطة البدء لمسارات تصحح نفسها، أو يتم تصحيحها بصدامات عنيفة علي مدي زمني طويل، بشرط أن تعكس نقطة النهاية غير المحددة زمنيا التوافق حول أسس دولة حديثة تعلي من شأن المؤسسات الدستورية وحكم القانون وتحترم الحريات العامة وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لقد ظل الشعب المصري خارج معادلة السلطة طيلة تاريخه الطويل وقد برهنت أحداث 25 يناير علي أن الشعب المصري أو جزء معتبر منه قد نفض هذه المعادلة عن كاهله وتمكن لأول مرة في تاريخه من إسقاط حاكمه والمطالبة بحقوق المواطنة الكاملة.
وسواء اكتملت لهذه الثورة أركانها بتحول الثقافي إلي تعبير سياسي معاصر في مدي زمني قليل أم تأخرت هذه العملية، فإن الخامس والعشرين من يناير سيظل يؤرخ له بأنه أول محاولة ناجحة لإدخال الشعب المصري في معادلة الحكم التي ارتكزت لقرون طويلة إلي تجاهله، كما يقول سعد زهران في كتابه ”في أصول السياسة المصرية” علي مثلث (الملك، الأعيان، الامبراطورية العالمية السائدة) ثم كانت هناك محاولة في الثلاثينيات لتربيع المثلث بإدخال الطبقة المتوسطة، أما الشعب المصري كجماعة بشرية ليس إلا، فلم يكن سوي كتلة إنفجارية يستخدمها أي من الأطراف الثلاثة أو الأربعة السابقة لتعديل موازين القوي داخل معادلة الحكم، وربما يعبر الشعار البسيط للجمهور الواسع الذي شارك بالملايين في ميدان التحرير أكثر من مرة في المظاهرات الاحتجاجية ”الآن عرفنا الطريق”، بمعني: اذا لم نؤخذ في الاعتبار منذ اليوم وحتي الأمد المنظور سنعود لميدان التحرير لنقول ”لا لمن” يحاولون اخراجنا مرة ثانية من المعادلة. بهذا المعني ثارت مصر في الخامس والعشرين من يناير وعليها أن تمضي في طريق شاق وطويل لتثبيت وجود الشعب في معادلة الحكم.

The Middle East Counter-Revolution

The Middle East Counter-Revolution.

البديل | البديل » هويدا طه : بعد جمعة الغضب الثانية.. الإخوان والمجلس والطريق الى يوليو 2011

البديل | البديل » هويدا طه : بعد جمعة الغضب الثانية.. الإخوان والمجلس والطريق الى يوليو 2011.

الثــورة الشعبية والانقـلاب العسكرى

الشعب المصرى ادرك منذ فترة قليلة أنه فقد كرامته على مذبح جهاز شرطة فاسد وفقد أحلامه فى الحياة الكريمة الطبيعية نتيجة زواج فاجر بين المال والسلطة كرسا سويا لمشروع توريث ظاهره توريث الحكم وباطنه توريث بلد تم الاستيلاء على مقدراتها وثرواتها بطريقة شيطانية ممنهجة وبالقانـــــــــــون

وخرجت طليعة الشعب يوم 25 يناير – يوم عيد الشرطة – فى مسيرات سلمية فى يدها وردة للشرطة فى عيدها وفى الاخرى ثلاثة مطالب ( اقالة وزير الداخلية – الغاء قانون الطوارىء – الغاء الانتخابات المزورة لمجلسى الشعب والشورى وضمنيا المجالس المحلية) ولكن لحسن الحظ ولأن هذا البلد تحيطه العناية الالهية كما ذكرت فى الانجيل والقرآن فقد أعمى الله قلوب طبقة  الحكام وزينت لهم شياطينهم أن يمضوا فى غيهم يعمهون

ولجأ النظام والحمد لله للعنف وصعد منه بلجوءه الى جحافل الامن المركزى واستخدم فى سبيل اخماد الشعب كل ما فى جعبته من وسائل قهر فقتل بدم بارد من قتل ( أكثر من 864 شهيد – 8000 جريح – 1000 مفقود حتى الآن ) وبما أنه نظام غبى عنيد فقد استمر فى خطاياه وأخطاءه حتى دحر الشعب الأعزل بسلمية مظاهراته أكثر من مليون ونصف المليون من جيوش هولاكو المعروفة بالداخلية

ويبلغ التواطـــؤ مداه فتشارك أمن الدولة مع قيادات مختلة وجموع البلطجية والمسجلين خطر الذى يعملون لحسابهم فى أقذر خطة انسحاب وفتح للسجون والنعتقلات !!وتحطيم للسجون وتوزيع للسلاح تحت غطاء اقتحام مقار الشرطة

وتظهر القوات المسلحة ( تماما كما ظهرت من قبل فى احداث الأمن المركزى 1986 واحداث انتفاضة 1977 وفى كلتاهما أيضا انهارت الشرطة ) وكان نزول الجيش الى الشوارع بناءا على قرار القيادة السياسية بحكم ان رئيس الدولة هو القائد الاعلى للقوات المسلحة ( والمفارقة أنه كان رئيس الشرطة الاعلى ورئيس مجلس القضاء الاعلى ورئيس مراجيح مولد النبى طالما فيها عوائد مادية )ولكن نزول الجبش هذه المرة كان مختلفا فقد كانت قياداته – كما قيل – ترفض التوريث  وكانت تعانى من تغول الداخلية بل ومن ظهور الداخلية عليها ووصل الأمر كما اذيع ان الداخلية كانت تراقب قيادات القوات المسلحة ولهم جميعا ملفات فى أمن الدولة

وانتشرت القوات المسلحة بتسليحها وجنودها فى ربوع الوطن حتى صدر الأمر الرئاسى لها باطلاق النار على المتظاهرين وهنا اسقط فى يد القيادة فالطريق اماها ضبابى وغير واضح والقيادات الوسطى والصغرى بل والجنود رافضــــــون قطعا لاطلاق النار على اهليهم  وكان السؤال الذى لاتعرف اجابته حتى تاريخه لمن الغلبة فى هذه الظروف للثورة أم للنظام ؟ حتى حدثت موقعة الجمل التى قادها اباء الجهل فى النظام الحاكم بمشاركة ابو لهب ومسيلمة الكذاب واشياعهم من رموز النظام يقودون جيشا من الجهلاء عاد بنا الى العصور الجاهلية

فماذا فعلت القوات المسلحة التى كانت موجودة بجنودها وسلاحها وذخيرتها فى الشارع ؟

الوقوف على الحيـــــــــــــاد !!! ولكنه حيادا سلبيا

فضلت القوات المسلحة ان تكسب فى جميع الاوقات !! فتركت الساحة لتشتعل المعركة بين الثوار المدافعين عن ثورتهم وحياتهم ومستقبلهم وبين المهاجمين دفاعا عن امتيازاتهم ومكاسبهم المالية

استمرت المعركة حوالى 24 ساعة وتنقسم  المعركة الى قسمين  القوات المحملة على الدواب التى هزمت هزيمة نكراء وانسحبت

والاخطر والاهم هو الشق الثانى للمعركة والتى استخدم فيه النظام قناصة الشرطة بل وشاع خبر وصول 3 طائرات اسرائيلية الى مطار القاهرة بهم عناصر خبيرة فى التصدى للانتفاضة الفلسطينية ومعهم بالاضافة لذلك بنادق مزودة بالليزر لقنص المتظاهرين واعتلت هذه العناصر المبانى المحيطة بميدان التحرير واشهرها الجامعة الامريكية والعمارات المقابلة للمتحف المصرى وأظهرت التغطية الاعلامية ( برنامج عمرو أديب ) استخدام الليزر بوضوح تام ) ومع ذلك فأن القوات المسلحة بكل قدراتها وامكانياتها لم تتدخل !!!!غريبة

كانت الحسابات تقول ننتظر ونرى لمن الغلبة ؟ ونحن مع الغالب

وبالتالى فحينما اندحرت وهزمت فلول النظام وأذنابه فى هذه المعركة اعلن الجيش انحيازه للشعب

Previous Older Entries