الثورة المصرية. علامة حضارية فارقة د. احمد مجدي حجازي

رغم انتشار شعارات الحرية والديمقراطية والشفافية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان في كثير من بقاع العالم، إلا أن استمرار الأنساق التسلطية والنظم الشمولية في العديد من دول العالم الثالث يجعل من المتعذر حدوث تقدم اجتماعي أو تحقيق تطلعات الشعوب المتعطشة إلي الحرية، أو إحداث تغييرات كلية أو إصلاحات جزئية في الهياكل السياسية القائمة. ولذلك لم يكن أمام الشعوب في تلك البلدان إلا البحث عن سبل وأساليب وآليات غير تقليدية للتعبير عن طموحاتهم الإنسانية وممارسة العمل السياسي. ومن البديهي أن تدرك الشعوب أن عالم اليوم ليس هو عالم الأمس، لقد تغيرت طبيعة ومسارات الحركات الثورية بأنماطها المختلفة؛ فقد انطلقت متحلية بأثواب عصرية جديدة غير تقليدية بما طرأ عليها من معطيات ومستجدات عصر العولمة والتكنولوجيا الرقمية، فأصبحت الحركات الثورية الجديدة هي بديل غير تقليدي للفعل السياسي، الذي يمتلك ثقافة عصرية ووسائط إعلامية قادرة علي إحداث التغييرات المطلوبة لتحقيق طموحات إنسانية تسعي إليها الشعوب. ولا جدال في أن الثورات في ثوبها سواء التقليدي أو المعاصر تتميز بقدرتها علي استهواء الجماهير وتعبئة الشعوب وتوجيهها نحو أهداف تحددها عادة قيادة أو جماعة أو صفوة لها مصالح تبغي تحقيقها، أو أناس لهم طموحات سياسية ويمتلكون مواصفات ذاتية أو كاريزمية تؤهلهم لتحريك الجماهير وتنظيمهم وفقا لمتطلبات الثورة. ومن البديهي أن نجد في مجتمعنا المعاصر تنظيم حركات اجتماعية متنوعة الأنماط تظهر في شكل احتجاجات أو هَبات أو انتفاضات تتخذ أساليب ومسارات وآليات مغايرة لما كان يحدث علي مر التاريخ.
إن التحليل العلمي للانطلاقة الثورية، التي اندلعت في الخامس والعشرين من شهر يناير عام 2011 والتي تم تسجيلها ونشر أفكارها علي نطاق واسع إلكترونياً من قبل مجموعات واعية من الشباب ”المتعطش إلي الحرية” رافعا شعارات مثل: الكرامة والعزة والسلام والديمقراطية، والعدالة والحرية، سيظل موضع اهتمام الباحثين والعلماء ورجال الفكر والساسة في العالم أجمع، حيث غيرت تلك الثورة من مقولات شاعت في الأطر النظرية التراثية تمسك بها أصحاب الفكر ”الثوري التقليدي” حول طبيعة الفعل الثوري ومقومات تشكله ومزايا الحشود الفاعلةActing Crowd والأهداف Goals والتعبئة Mobilization وكذا عملية التنظيمOrganization. مما يتطلب إعادة النظر في تلك المقولات التراثية من خلال مناقشات متعمقة وتحليلات موسعة، وعقد مقارنات بين طبيعة ومسار الحركات السياسية السالفة وتلك الحركة الثورية السلمية ”البيضاء” للوقوف علي ملامح تشكلها وتفردها بمزايا تميزها عن غيرها من ثورات اندلعت في العالم علي مر التاريخ.
وهنا تصبح التساؤلات المطروحة والأكثر إلحاحا: ماذا حدث في مصر؟ وما الخصائص المميزة لشباب الثورة؟ وما هي مسارات الحركة الثورية منذ اندلاعها وانتشار أفكار مروجيها وتداولها عبر الشبكة العنقودية؟ ولماذا وكيف ومتي التحمت الحركة الثورية مع الجماهير لتتحول إلي ثورة شعبية تطالب بـ”إسقاط النظام”؟ وما دور مجتمع المعرفة وشبكات التواصل الإلكتروني في تنامي الوعي الاجتماعي، وتوسيع دائرة الفكر الثوري، وانتشار مقولاته بين الشباب؛ صانع الانطلاقة الثورية؟ وما ردود أفعال كل من السلطة والجماهير خلال الممارسات الثورية بميدان التحرير؟ وإلي أي مدي تسير الثورة نحو تحقيق أهدافها المتصاعدة؟ وماذا بعد الثورة؟
ولا جدال في أن التساؤلات المثارة والقضايا ذات الصلة تحتاج من الباحث الأكاديمي إلي تحليلات متعمقة ورؤي منهجية غير تقليدية تساعد في فهم وتحليل المناخ الثوري المتفرد الذي حدث في مصر المعاصرة؛ تحليلات تنطلق من دراسة تستند إلي منهج ”إمبيريقي” Empirical Methodيعتمد علي رصد وتحليل الحدث ميدانيا ليكشف عن مكوناته الحقيقية، آخذا في اعتباره النسق المجتمعي والظروف البنائية Structural Condition المشكلة لانطلاق الفعل السياسي الثوري وتواصله، والعوامل الداخلية والخارجية الموجهة لقيام الحركة الثورية وتلاقي أهدافها وتلاحمها مع كافة الشرائح الاجتماعية، تلك الشرائح التي أدركت توافق مصالحها مع أهداف الحركة ومطالبها. لقد عانت فئات كُثر من أوضاع معيشية سيئة، وافتقد المواطنون الثقة في نظام دأب علي قمع حريتهم وامتهان كرامة المعارضين منهم للنظام، وأبعدهم ـ بأساليب تتأرجح بين التخويف والقمع ـ عن المشاركة السياسية الفاعلة في مجتمعهم، كما جند البعض منهم لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية تحقق مصالح ما يُعرف في علم الاجتماع السياسي بـ ”جماعات المصالح” أو ”جماعات القوي”. لقد نجح النظام باستخدام أساليب تسلطية ونظام ”أبوي”Patriarchy أسهم في سيطرة الطرف الأقوي ( أصحاب السلطة وأتباعهم من صفوة المجتمع) في مقابل خضوع وتقبل من جانب الطرف الأضعف ( الجماهير)، بالإضافة إلي استخدام السلطة لمجموعة من الأساليب التي تعمل علي تهميش جماعات من المواطنين ـ خاصة ـ أبناء الطبقة الوسطي نظراً لخشيتها من تلك الجماعات بسبب تبنيها لثقافات ليبرالية وقيم وانتماءات وطنية، وامتلاكها لقدرات علمية معاصرة، ورؤي سياسية رصينة، وتراث أخلاقي متوازن، حيث اتخذت الدولة تطبيق سياسات اقتصادية طفيلية لم تراع استقلالية القرار، ولم تقدم مشروعات تحقق استثمارات جادة تعمل علي تطوير عمليات الإنتاج، مما أدي إلي تدهور متواصل لأوضاع معظم شرائح المجتمع، وعلي رأسها تلك الفئات التي تنتمي إلي الطبقة الوسطي، فأصابها حالة من الخوف والقلق المتواصل علي أوضاعها الآنية والمستقبلية، ومن ثم كُتب عليهما ”الجهاد المعيشي والنضال اليومي من أجل البقاء”، وهو ما أدي إلي تبني ثقافة النضال أو تشكيل ظاهرة يمكن أن نطلق عليها ”معركة الصراع من أجل الحياة” فانشغلت شرائح من تلك الطبقة بالتفكير في كيفية توفير القوت اليومي وابتكار أساليب جديدة لسد حاجتها من متطلبات العيش، فأحدث لديها قلقاً اجتماعياً مستمرا، وأفقدها بالتالي وضوح الرؤية حول مستقبلها ومستقبل أبنائها، مما شكل حالة ضبابية غير محددة الملامح تتسم بـ”فوضي هدامة” صاحبها حالة من اليأس وفقدان الأمل، تلاقت معها شرائح أخري من فئات تم انفصالها فكريا عن المجتمع وأضحت في عداد المهمشين. ومن هنا أخذت المبادرة الثورية مجموعات من الشباب الواعي والمدرك للاحتقان الشعبي متسلحة بتكنولوجيا رقمية ”طيارة” تجوب الفضاء، ومعارف وأفكار ليبرالية معاصرة، مصممة علي تغيير أوضاع النظام والقضاء علي الفساد ومواجهة الظلم الاجتماعي، منطلقه من مقولة تشير إلي أن التغيير يبدأ أولاً من منظور سياسي يتمثل في ”التحرر من النظام الأبوي السلطوي” الذي يعارض مبادئ الحرية الفردية، ويؤمن بفرض السيطرة علي الجماهير، وامتلاك وسائل قمع المعارضين للنظام، ويعتبر النظام السلطوي أن السلطة لا تُجزأ ولا يجب التفريط فيها فهي حق ”للوالي” لحكم الرعية دون غيره لما يتميز به من ملكات الزعامة والحكم إنه ”العارف بأمر الكون دون غيره”.
ففي ظل هذه الأوضاع أدرك الشباب المصري ضرورة التغيير والنضال من أجل استرداد الحرية التي افتقدها فلم تتح له الفرصة فيما مضي لكي يمارسها في عالمه الواقعي، حيث غابت عن عالمه وعاش يشاهدها ”عن بعد” في الفضاء الافتراضي الذي يتعامل معه رقمياً، حيث خبر في حياته نظاماً سلطوياً يقوم علي ما يُطلق عليه في علم الاجتماع بـ”الانحدار الأبوي” لا يعترف بمبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، ومن هنا كان المخرج ”اللحظي المتاح” يكمن في إقامة عالم فضائي إلكتروني خاص يستطيع أن يمارس فيه إنسانيته المفقودة ويشعر فيه بكرامته الضائعة، ويعبر فيه بحرية عن أفكاره ومعتقداته ورؤاه. إنه ”عالم افتراضي بديل” يتفق المشاركون فيه والمنتمون إليه علي مبادئ إنسانية عامة، حيث تتوافر فيه فرص التحاور الحر والتبادل المعرفي والتواصل الاجتماعي وقبول الآخر واحترام الثقافات والأديان والمذاهب المختلفة وممارسة النقد والتعامل مع البشر دون حواجز أو رقيب. هو عالم ” شبه أفلاطوني مستحدث” في عصر المعرفة والإعلام الإلكتروني.

أولاً: الثورة التقليدية في مقابل ثورة 25 يناير:

وفقاً لجيدنز فإن الثورات تمثل طليعة الأساليب غير التقليدية في الحركات الجماهيرية المنظمة التي تُحدث تغييرات جذرية في النظام السياسي السائد باستخدام العنف. وتتطلب الحركات الثورية ـ كما أشار جيدنز ـ شروطا أساسية لاشتعال الثورة من أهمها أساليب استهواء الجماهير وتوجيهها، ويصاحبها عادة توترات وصراعات. ومن البديهي أن يتغير مفهوم الفعل الثوري وآليات ممارسته في العصر الراهن وفقا لمتغيرات عصرية مستحدثة، فقد تغيرت ملامح الحركات الثورية ومقومات اندلاعها في المجتمعات الإنسانية علي اختلاف أوضاعها.
لذا يتعين علينا أن نستجلي المعاني الكلاسيكية حول الحركة الاجتماعية في جوانبها التتقليدية والثورية في التراث السوسيولوجي، ثم نرصد لأهم التطورات الطارئة عليها في التراث النظري المعاصر.

1ــ الحركة الاجتماعية ” Social Movement” المعني والمضمون:

يشير المعني العام لكلمة ”حركة” Movement إلي سلسلة الأفعال والجهود التي يقوم بها عدد من الأشخاص من أجل تحقيق هدف معين. غير أن الاستعمال الفعلي لهذه الكلمة قد يشير إلي معاني عديدة. وبغض النظر عن المعاني الخاصة التي يقصدها العلماء الاجتماعيون حينما يستخدمون تعبير ”الحركة الاجتماعية أوالسياسية”، فإن الهدف النهائي هو إبراز الجهود التي تبذلها الجماعات والطبقات الاجتماعية من أجل تحقيق غايات خاصة.
ولقد أوضح ريموند وليامز Williams في مؤلفه الشهير ”الثقافة والمجتمع” أن مفهوم الحركة هو أحد المفاهيم الاستراتيجية في العلوم الاجتماعية شأنه في ذلك شأن مفاهيم الصناعة، والديمقراطية، والطبقة، والثقافة. والحركة بهذا المعني تمثل وسيلة لاكتشاف طبيعة التغيرات المادية والثقافية التي تطرأ علي أي مجتمع من المجتمعات(2).
لقد تبلور مفهوم الحركة الاجتماعيةSocial Movement لكي يشير إلي دراسة التغيرات الراديكالية التي تشهدها الأنساق الاجتماعية السياسية في المجتمع. وربما كانت المحاولة الرائدة لتعريف مصطلح الحركة الاجتماعية تعريفاً علمياً هي تلك التي قام بها لورانز فون شتاين Lorenz Von Stien في مؤلفه الهام تاريخ الحركة الاجتماعية في فرنسا 1789ــ 1850، والذي نشر لأول مرة عام 1850. وبدلاً من أن يدرس شتاين الثورة الفرنسية من وجهة نظر التغيرات التي طرأت علي البناء الحكومي أكد أهمية ما أحدثته الثورة من تغييرات شاملة عملت علي خلق مجتمع جديد. ويعتبر شتاين أن بناء المجتمع هو المسئول عن التغير السياسي. ووفقاً لرأيه: ”المصلحة هي جوهر كل تفاعل إنساني ومن ثم كل حركة اجتماعية هي أساس المجتمع”(3). وهناك العديد من المحاولات التي قدمها العلماء لتعريف الحركة الاجتماعية، حيث يعرف سومبارت W.Sombart الحركة الاجتماعية بأنها ”تصور لكافة محاولات البروليتاريا من أجل تحرير نفسها”. أما فريديناند تونيزF.Tonnies فقد استخدم تصوراً آخر هو ”التجمع الاجتماعيSocial Collective ”.(4) .
وتشير معظم الدراسات إلي أن الحركة الاجتماعية تسعي إلي إحداث التغيير الاجتماعي من خلال جماعات من الأفراد، وعادة ما تقوم الثورات الاجتماعية ضد الحكومات. كما أرجع بعض المنظرين الاجتماعيين بعض أشكال الحركات الاجتماعية للحرمان الاجتماعي والاقتصادي مثل الاغتراب عن وسائل الإنتاج (وفقاً لماركس). وللأفكار الثقافية الجديدة التي تؤدي إلي الشعور بنسبية الحرمان (وفقاً لتوكفيل). أو النكسات الاقتصادية المفاجئة (وفقاً لدافيز)(5).
وعلي الرغم من التقارب في الآراء التي قدمها كل من كارل دوتشDeutsch وبول ويلكنسونPaul Wilkinson حول المراحل التقليدية التي تمر بها الحركة الاجتماعية وهي التعبئة كمقدمة لظهورها، ثم مرحلة التنظيم لتحديد الأغراض المشتركة وتنفيذها. إلا أن ويلكنسون كان أكثر تحديداً حين أشار في مؤلفه حول الحركة الاجتماعية 1971 إلي معني الحركة الاجتماعية ومقومات تشكلها علي النحو التالي:
ــ الحركة الاجتماعية هي حركة جمعية مقصودة لإحداث تغيير في أي اتجاه وبأي وسيلة، ولا نستبعد من هذا المعني الحركات العنيفة غير القانونية، والثورات التي تعمل من أجل التغيير الكلي في بنية المجتمع.
ــ يتعين أن تتضمن الحركة الاجتماعية حداً أدني من التنظيم.
ــ إن التزام الحركة الاجتماعية بالتغيير والتنظيم الذي يميزها إنما يرتكزان علي الإرادة الواعية، والالتزام المعياري بأهداف ومعتقدات الحركة، والمشاركة الإيجابية من جانب أعضائها(7).
وإذا ألقينا نظرة تاريخية تراثية سوف نجد كتابات كلٍ من جان جاك روسو Rousseau وكارل ماركسMarx تحتلان أهمية خاصة بالنسبة لدراسة الحركات الاجتماعية.
وينطلق روسو في كتاباته من إيمان قوي بحق كل الناس في تنظيم مصالحهم الجمعية، وحقهم أيضاً في التمرد علي الطغيان قائلاً: ”ليس لدي أي إنسان التزاماً بطاعة أي سلطة إلا السلطة الشرعية للدولة”. ثم يذهب بعد ذلك إلي أن السلطة الشرعية الوحيدة في المجتمع الإنساني هي تلك التي تستند إلي الاتفاق بين الناس. وطالما أنه ليست هناك سلطة طبيعية للفرد علي الآخرين، فإن الأساس الوحيد الذي يجب أن تستند إليه السلطة الشرعية في المجتمعات الإنسانية هو الاتفاق. وقد انعكست آراء روسو علي الفكر الاجتماعي الثري الذي تركه كارل ماركس(8).

2ــ الثورة والتراث النظري المعاصر: 

المعني الشائع للثورة هو معني واسع بحيث يغطي أشكالاً عديدة لاستخدام القوة، قد لا تبدو قانونية أو شرعية بالمعني المحدود، ولكنها تهدف في نهاية الأمر إلي إحداث التغير السياسي، وهنا يمكننا استخدام مفهوم الثورة للإشارة إلي مجموعة من الأحداث تستخدم فيها القوة بنجاح للإطاحة بحكومة أو نظام سياسي معين. وإذا لم تنجح حركة الثورة أُطلق عليها ”تمرد” Revolt أو عصيان مسلح Insurrection أو ”انتفاضة”Uprising . وعلي الرغم من أن هناك اختلافات لغوية بين هذه المفاهيم، فإن معانيها قد تتداخل في بعض الأحيان.
ومن الصعب تحليل مفهوم الثورة دون التعرف علي جذوره التاريخية. وواقع الأمر أن هذا المفهوم يُعد من أقدم المفاهيم السياسية استخداماً. لذلك فإن تحليله يحتاج إلي بصيرة تاريخية وفهماً مقارناً. ونجد اهتماماً كبيراً بهذا المفهوم لدي فلاسفة الإغريق أفلاطون وأرسطو.
يُعد أفلاطون من أوائل الفلاسفة الذين عنوا بدراسة التغيرات التي يمكن أن تطرأ علي البناء السياسي، أما أرسطو فيُعد المؤسس الحقيقي لدراسة الثورات، حيث قدم أول محاولة شاملة لدراسة الثورة، وأفرد لها حيزاً كبيراً من مؤلفه الشهير ”السياسية”. وقد قبل مبدأ وجود الدولة، ولكن الأفكار الخاطئة تؤدي إلي الإحساس بعدم الرضا وبالتالي حدوث انقلاب سياسي، قد يعمل علي تغيير شكل الدولة بما يترتب علي ذلك من نتائج سياسية، أي أن الثورة ظاهرة سياسية تمثل عملية أساسية لإحداث التغيير الذي قد يؤدي إلي استبدال الجماعات الاجتماعية.
ثم بدأ مفهوم الثورة يأخذ معاني جديدة بفضل التطورات التي طرأت علي فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، فلقد برهنت الثورة الفرنسية 1789 لأتباع سان سيمون ثم، ماركس من بعدهم علي أن الثورة هي مرحلة من مراحل التطور التاريخي، كما برهنت للثوريين الفرنسيين أن حتمية الحركة الثورية تكمن في عدم ملاءمة النظام القديم وضرورة استبداله بنظام آخر أكثر فعالية وتعبيراً عن جماهير الشعب.
ولا شك أن مجريات أحداث الثورة الفرنسية قد تضمنت إسهامات هامة لها أكبر الأثر في تطوير مفهوم الثورة ذاته وإكسابه معان لم يكن يتمتع بها من قبل. فهي تمثل نجاحاً منقطع النظير في القضاء علي حكومة قديمة واستبدالها بحكومة أخري جديدة أكثر رشداً، كما أنها قد شكلت مبرراً منطقياً لأفعال كثير من الثوريين الذين بدأوا يعتقدون أن الثورة قد أصبحت هدفاً في حد ذاته. فلقد ازداد مفهوم ”الإرادة العامة” وضوحاً، وشكل أساساً لإعلان حقوق الإنسان، وانتشرت الفكرة الذاهبة إلي أن الثورة ما هي إلا خطوة علي طريق الكمال الذي يجب أن يسعي إليه الإنسان.
وفيما يتعلق بالجانب الاجتماعي للثورة، فمن المهم أن نذكر إسهام ماركس وإنجلز، حيث لم يقتصر هذا الإسهام علي بلورة نظرة محددة للثورة الفرنسية، بل تعدي ذلك إلي تطوير نظرية في الثورة الاجتماعية ذاتها. فإليهما يعود الفضل في تأكيد الجانب الاجتماعي للثورة. ومن هذه الزاوية نظراً إلي الثورة الفرنسية فوجدا أن طابعها السياسي كان أكثر وضوحاً وتأثيراً من طابعها الاجتماعي. فالحكم علي أي ثورة ـ كما يذهبان ـ يجب أن يكون نابعاً من أهداف اجتماعية معينة. وخلال محاولتهما إقامة نسق تاريخي للتطور الاجتماعي ركز ماركس وإنجلز علي الأساس المادي، حيث فسرا التاريخ بأنه صراع بين الطبقات لا الأجناس. فاحلال نظام إنتاجي بنظام آخر يؤدي إلي ظهور ضغوط سياسية وتغيرات تتبعها الثورة.
وإذا أعدنا النظر في التراث النظري المعاصر الذي يتناول الثورة، وجدنا أربعة مواقف فكرية متميزة وإن كانت تشترك جميعها في نقاط معينة:

الموقف الأول: ينطلق من مفاهيم وتصورات اقتصادية. فالثورة هي ـ في المحل الأول ـ ظاهرة اجتماعية لها أسباب اقتصادية واضحة. ويبدو أن وجهة نظر ماركس تحتل أهمية خاصة في هذا المجال، أي أن الثورة تنجم عن زيادة البؤس وانتشار الفقر.
الموقف الثاني: ينطلق من أن الثورة ظاهرة اجتماعية، ومن المحاولات النظرية التي تتسق مع هذا الموقف تلك التي قدمها جونسون Johnson، حيث عرض تصنيفاً لمختلف الحركات الثورية ميز فيه بين التمرد الفوضوي، والثورة الراديكالية، والانقلاب التآمري، والعصيان الجماهيري المسلح.
الموقف الثالث: يستند إلي قضية أساسية هي؛ أن الثورة تستند إلي احساس الفرد بالاغتراب عن المجتمع الذي يعيش فيه.ويمكننا أن نجد تأكيداً لهذه القضية في كتابات بعض علماء الاجتماع البارزين أمثال تالكوت بارسونز Parsons وروبرت ميرتونMerton . وعلي الرغم من من أنهما ذهبا إلي أن معظم أعمالهما قد انطلقت من مفاهيم سوسيولوجية في معظم الظواهر الاجتماعية، إلا أن تحليلاتهما للثورة قد كشفت عن نزعة سيكولوجية واضحة.
الموقف الفكري الرابع: من أن الثورة ظاهرة سياسية تتعلق أساساً باستبدال القوة السياسية. ويمثل هذا الموقف أرسطو وماكيافيللي ولوك. ونتيجة لذلك يمكن تفسير التحولات الاجتماعية في ضوء المعني السياسي للثورة، إذ إنه دون وجود عنصر التغير السياسي، فإنه يصعب وصف التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسيكلوجية بأنها تغيرات ثورية بأي معني من المعاني. والواقع أن تقييم هذا الموقف الفكري من الثورة ـ شأنه شأن المواقف الفكرية الثلاثة السابقة ـ يعتمد علي مضمونه الأيديولوجي ونظرته إلي الغاية القصوي للحدث الثوري.
وتتصل المواقف الفكرية السابقة بتقييم السلوك الجماعي المرتبط بالثورة بما في ذلك سلوك الزعماء والجماهير والصفوة الحاكمة بوجه عام. وقد حظيت الصفوة الحاكمة بأكبر اهتمام من جانب علماء الاجتماع. ويُعتبر جوستاف لوبون Le Bon من أوائل العلماء الاجتماعيين الذين حاولوا فهم سلوك الجماهير أو الحشود(9).
وخلال السنوات الأخيرة تطور الاهتمام بدراسة السمات السيكلوجية للزعامة أو القيادة. وربما كان مؤلف ”الشخصية التسلطية” علامة هامة في هذا المجال ،مما دفع بعض العلماء المحدثين إلي إدخال مفهوم التسلطية في دراسة الثورات.

3ـ الثورة المصرية في مقابل الثورة الكلاسيكية:

بعد أن استعرضنا المقولات النظرية الخاصة بالتراث النظري، وأفكار بعض الرواد والعلماء فيما يتعلق بالمفاهيم السائدة عن الحركة، والثورة، يجب أن نُعيد النظر فيما ذُكر في ضوء ما حدث بمصر في الخامس والعشرين من شهر يناير2011 لنوضح كيف تفردت ثورة الغضب الشعبي وما تتميز به من سمات جعلتها حديث العالم وقياداته:
ـ الجماعة الثورية في مقابل القائد الفرد: وفقاً للأطر النظرية التقليدية حول الحركات الثورية فإن البحث عن قيادة للثورة أمر محوري لاشتعال الثورة، فنجد جميع الثورات المصرية لها قيادة معلنة أو مستترة (الثورة العرابية 1879ــ 1882 بقيادة أحمد عرابي، ثورة 1919 بقيادة سعد زغلول، ثورة 23 يوليو بقيادة تنظيم الضباط الأحرار(10). وقد أثبتت ثورة 25 يناير عدم توافر تلك القيادة حيث أخفقت السلطة في اكتشاف القائد للتعامل معه لتسهيل تصفيته أو استقطابه، وانشغلت بالبحث عن القائد مما أفقدها اتزانها وارتباك تصرفاتها.
ـ التنظيم الافتراضي في مقابل التنظيم التقليدي: تميزت ثورة الغضب الشعبي بتنظيم معاصر ابتعد عن الصورة التقليدية التي كانت تُستخدم في الحركات الثورية السابقة، حيث جاء التنظيم للحركة الثورية بوسائل تكنولوجية معاصرة تبادل فيها الثوار من خلال الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الحر ما أفقد السلطة القدرة علي مجاراة الثوار ورصد الحجم الحقيقي لقوة الجماعات الثائرة علي المواقع الافتراضية. فقد اندلعت الشرارات الأولي الممهدة لما حدث في عالم افتراضي Virtual World جديد له سمات مختلفة ويمتلك آفاقاً من الحرية السياسية والفكرية مُفتقدة علي أرض الواقع الحقيقي الملموس. ومن ثم لم يكن التنظيم التقليدي شرطا ضروريا لاشتعال الحركة الثورية، كما افتقدت شروطا أخري مثل: المقابلات المباشرة (face to face ) بين الثوار والسلطة أو أجهزتها. ففي إطار القمع الأمني والسياج السلطوي السائد، استطاعت شبكة الإنترنت، بما تتضمنه من مواقع ومدونات وشبكات اجتماعية ومنتديات أن توفر لتلك الحركة فضاءً إعلاميًا بديلاً سريع الانتشار وقادرًا علي التفاعل مع الآخرين، وهو ما أتاح مزايا عديدة تتمثل في: السرعة، وقلة التكلفة، والتواصل مع الآخرين، وبالتالي حققت عنصر التعبئة عن بعد” إذا ما قارناها بوسائل الاتصال التقليدية. ويمكن الإشارة في هذا الصدد لما أصبحت توفره مواقع الـ ” فيس بوك” و”يوتيوب” و”تويتر” من إمكانات مذهلة من التواصل فائق السرعة. وقد ساعد علي زيادة إقبال الشباب علي العالم الافتراضي قصور الأطر المؤسسية كالأحزاب ومنظمات المجتمع المدني عن القيام بدورها الفعال.
ـ التحام الجماهير الشعبية مع الثوار: لعل التحام الجماهير الشعبية مع أهداف الحركة ودعوات الشباب القيام بالمشاركة والانضمام إلي الثورة وقيامهم بالاحتجاجات المتواصلة، أفقد النظام القدرة علي المواجهة، فقد جاءت ردود أفعال أجهزة الأمن عشوائية وفي حالة من التخبط الواضح وبات مؤكدا أن فكر الرئاسة لم يتغير واستمر معبرا عن فكر أمني تقليدي يؤمن بالقمع والترويع باعتباره الأسلوب الناجع في فض المظاهرات والقضاء علي الثورات التي حدثت في التاريخ.
ـ نحو مجتمع بديل ينشد التعايش والحرية: لقد جاء تنظيم مسيرة الحياة في ميدان التحرير معبرا عن التحام الشعب مع الثورة، والقدرة علي التعايش مع كافة الفئات والجماعات الاجتماعية علي اختلاف مشاربها الفكرية والسياسية، حيث تلاشت الفروق الاجتماعية والطائفية، وتحول ميدان التحرير إلي ”مجتمع بديل”؛ مجتمع ينشد الحرية، وقبول الآخر، والتعايش معه في سلام، وتوفير الحماية المدنية من خلال لجان شعبية تم تنظيمها بعناية فائقة، بالإضافة إلي إقامة نظام إعلامي خاص، لقد تحول ”ميدان التحرير” إلي مجتمع حقيقي للثوار، حيث تحققت فيه مقومات مجتمع ”شبه أفلاطوني” تسود فيه رياح الحرية والأمن وتبادل الآراء.
ـ تظاهرة سلمية رغم بطش السلطة في ”موقعة الجمل”: لا جدال في أن ثورة الغضب جاءت كحركة سلمية بيضاء، واستمرت كذلك تعبيرا عن مبدأ أساسي تبناه الثوار، لذا وجدت تعاطفا معها من معظم شرائح المجتمع، وظهرت مؤشرات ذلك في ”موقعة الجمل” كما أطلق عليها حين تدخلت جماعات موالية للنظام بأعمال قمع وعنف وتدمير، فزاد التعاطف مع الثورة ”السلمية” مما كان له أثر بالغ في صمود جماهير الثوار وتعاظم الدعم الشعبي للثورة.
ـ شواهد وأحداث ممهدة لثورة الغضب: لم تكن ثورة الغضب الشعبي التي تفجرت أحداثها في الخامس والعشرين من يناير، وليدة اللحظة وإنما كانت نتاجاً لأحداث واحتجاجات تراكمت عبر فترات استمرت لسنوات سابقة لاندلاع الثورة المعاصرة مما دعم من برنامج الثوار وإكسابهم خبرات في العمل الثوري. لقد شهد المجتمع المصري أحداثاً واحتجاجات وانتفاضات كثيرة مثل: حركة كفاية، 6 أبريل، 9 مارس، إضرابات عمالية، واحتجاجات فئوية، بالإضافة إلي كارثة الدويقة، وحوادث قطارات الصعيد، وكفر الدوار والعياط، ثم غرق العبارة السلام 98 وانتفاضة القضاة ”التي قادها نادي القضاة”، والاحتجاجات ضد تزوير الانتخابات الأخيرة، وتزوير الأحكام القضائية.
ـ ثورة حضارية: حين انصاع النظام وفقد القدرة علي المواجهة انطلقت الجماهير نحو العمل التطوعي ”لإعادة بناء مصر”. فلم ير العالم بأسره شعباً ينتفض من أجل حريته ثم يهتم بجمال ونظافة الميدان الشاهد علي ثورته وانتفاضاته، مستخدماً كل طاقاته في ضرب أروع الأمثلة الحضارية باعتباره ينتمي إلي أقدم وأعرق الحضارات الإنسانية.
لذا يمكن القول إن الثورة المصرية تعد من الحركات الاجتماعية التي جمعت بين البعد السياسي الذي قامت من أجله والمتمثل في الحرية والعدالة، والبعد الاجتماعي الذي عبرت عنه بـ ”العيش” فالبعدين السياسي والاجتماعي أسهما في التلاحم الجماهيري من ناحية، والصمود أمام القمع السلطوي من ناحية أخري، مما حقق أهدافها بـ سقوط النظام.

ثانياً: التداعيات الأولية للحركة الثورية :

لقد عبر الشباب المصري في ثورته عن معارضته وإعلان عن احتجاجه عن أوضاع سياسية واجتماعية واقتصادية متدنية، تتمثل في مظاهر القمع وكبت الحريات وتعسف الأمن واستخدام الشرطة لأساليب الترويع والتعذيب (واقعة مقتل خالد سعيد). وتفاقم مشكلات البطالة، وتزايد حدة الفقر، وتعاظم الفجوة في الدخول، وعدم تطبيق عدالة توزيع الثروة، وإصدار قوانين جائرة في الأجور والضرائب.
وسوف نعرض في التالي لبعض مظاهر تناقضات الواقع المصري، والغضب الشعبي، وانطلاقة الفعل الثوري.

تناقضات الواقع المصري وأزماته (الاحتقان السياسي والاجتماعي) :

هناك العديد من الأسباب والعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية التي أدت إلي الاحتقان الشعبي وانفجار ثورة 25 يناير سنعرض لها فيما يلي:
ـ كان حلم ”التعطش إلي الحرية” هو اللبنة الأساسية للاحتقان السياسي الذي أصاب قلق الشباب المصري وحرك فيه مشاعر النضال الثوري مما أدي إلي تنامي الوعي الجمعي بتناقضات الواقع المصري وأزمته السياسية والاجتماعية، وظهر ذلك في تلك الشعارات التي أطلقها الثوار ونادت بها الجماهير الشعبية مرددة ” الحرية، والعدالة والعيش الكريم”.
ـ لم تكن حالة الاحتقان الشعبي تقتصر علي الثوار من الشباب المتعلم والواعي بأزمة المجتمع وتناقضاته، بل امتدت تلك الحالة لدي الكثير من الفئات المهمشة منهم العمال والفلاحين والشرائح الفقيرة، والدليل علي ذلك تعاظم ظاهرتي الاحتجاج والاعتصام أمام مجلسي الشعب والشوري، وفي الشركات والمصالح الحكومية للمطالبة بزيادة الأجر وإلغاء الديون للمتعثرين في السداد من أبناء الطبقة الوسطي والفقيرة.
ـ يرصد رجال الفكر الاجتماعي. والمهمومون بقضايا المجتمع ومشكلاته مظاهر الأزمة المجتمعية (11) ، فهناك حالات من الفساد بأشكاله المختلفة وشيوع حالة من عدم الانضباط علي كافة المستويات، والتسيب واللامبالاة وازدياد أنماط من الجرائم لم يكن المجتمع المصري يعرفها من قبل (جرائم المحرمات، وجرائم المال، والنصب مثل شركات توظيف الأموال وغيرها.) ويشتكي علماء الاجتماع من ظواهر العنف وثقافة الزحام وتفكك الأسرة وإعلاء القيم المادية، واختفاء قيم التعاون والتسامح والتساند الاجتماعي، وانتشار سلوكيات سلبية مثل البحث عن الكسب السريع من أعمال غير منتجة (السمسرة، والمضاربة وبناء العمارات التي تنهار بسبب عدم مطابقتها للمواصفات الهندسية، وتدهور نمط الحياة في المدينة والقرية، وزيادة حدة التلوث والضوضاء، والقبح واعتماد القرية علي المدينة بدلا من العكس الذي كان سائدا من قبل، وزحف المباني السكنية علي الأرض الزراعية، وتجريف أجود الأراضي وتحويلها إلي كتل خراسانية صماء، وازدياد تغريب الحياة الاجتماعية، وانتشار ثقافة المحاكاة والتقليد لكل ما هو أجنبي وتحقير ما هو وطني. ويعاني المهمومون بالشأن السياسي من ضعف المشاركة في الحياة السياسية، وعزوف أفراد المجتمع عن المشاركة في الانتخابات، وانتشار التغريب السياسي والاجتماعي، وانشغال الناس عن القضايا المصيرية بمسائل أخري ليست ذات أهمية، وغياب الأهداف القومية والرؤي العقلانية والعجز عن ممارسة الحوار البناء.(12)
ـ انهيار الخدمات الصحية والعلاجية للفقراء، وتدهور أحوال التعليم، وزيادة نسب البطالة بين الشباب. وقد أكدت البيانات والتقارير الرقابية حول الصحة والعلاج كم الفساد الذي تم اكتشافه فيما يُعرف بقضية ”نواب العلاج”، الذي تكلفت مليارات لصالح رجال السلطة والوزراء والأغنياء.
ـ تزايد المناطق العشوائية وتدني أحوال المواطنين في تلك المناطق، هي إذا حركة احتجاجية شبابية تلاحمت مع الفئات الأخري في المجتمع نتيجة لتزايد حدة الفقر والحرمان البشري، لذا، اتحدت تلك الفئات الدنيا مع الحركة الثورية وتوحدت مع شعاراتها التي أطلقتها في ميدان النضال (ميدان التحرير) معبرة عن معاناتها برفع شعار ”الحرية، العدالة، العيش الكريم”.
ـ تزاوج السلطة والمال في الدولة، مما أدي إلي زيادة الهوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية، بالإضافة إلي التربح واستغلال المال العام وتعاظم حدة الفساد، وكان من البديهي تنامي حالات الاحتقان والغضب العارم لدي أبناء الشعب زادها مظاهر احتكار السلطة والقهر السياسي والفساد الإداري في أجهزة الحكم المحلي.
ـ التمرس بقيم الديمقراطية والمشاركة السياسية التي كانت محظورة في وقت سابق، والذي أدي إلي التطلع إلي التغيير السياسي، والبحث عن الحرية، ومهاجمة النظام السياسي، والمطالبة بالقضاء علي القمع والاستبداد.
ـ شهدت البلاد تمويتًا منظمًا للسياسة (من أحزاب ونقابات وجمعيات) تم تغييبها قسرًا، فقد ارتضي المعارضون بدور ”الديكور” الذي تحاول به النظم الحاكمة أن توهم العالم بأن لديها تعددية سياسية، ومن ثم فهي جادة في السير قدمًا علي درب الديمقراطية. ولو أراد بعض رجال الأحزاب أن يمارسوا جديًا دور المعارضة، فسيجدون أنفسهم مكبلين بترسانة من القوانين التي تضيق حركتهم .
ـ تضييق الخناق علي قوي المجتمع المدني، فمثلاً أممت النقابات المهنية، بعد صدور القانون رقم مائة لعام 1993، وفرضت الحراسة القضائية علي بعضها، وحرمت من أن تكون منابر سياسية، كما كان عليه الحال في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، ثم مدت الحكومة المصرية يدها إلي الجمعيات الأهلية، لتحولها إلي مجرد هيئات للنفع العام، وليس منابر اجتماعية وسياسية وثقافية حقيقية.(13)
ـ تزايد مظاهر مؤشرات كراهية الدولة وعدم الرضا العام عنها، وضعف أو انعدام الثقة بين المواطن والدولة نتيجة تزايد الوعود الحكومية التي وردت مرارًا في بيانات حكومية دون تحقق، وتزايد ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانفلات الأسعار، وانخفاض قيمة العملة، وزيادة مساحات الفقر والحرمان البشري، وتهميش الطبقة الوسطي، والتي تشكو حالها(14). بسبب فقدانها توازنها الاجتماعي والاقتصادي والنفسي، وتزايد التمسك بالانتماءات التقليدية أو الانكفاء علي تلك الانتماءات الأولية كالعشيرة وزيادة الشعور بالرفض والضغوط.
ـ انطلقت ثورة الشباب في اليوم المخصص للاحتفال بعيد للشرطة (يوم 25 يناير)، وهو ما اتفق علية الثوار لتفجر الحركة الثورية حتي يصبح رمزا للتحرر والقضاء علي النظام السلطوي القمعي، فكانت إشارة إلي رفض ما هو ضد الطبيعة الإنسانية، بالإضافة إلي ذلك لقيت صفحة ”كلنا خالد سعيد” علي موقع الفيس بوك صدي إيجابياً لدي الشباب، تلك الصفحة التي تم تصميمها علي الفيس بوك بعد مقتل الشاب ”خالد سعيد” علي يد رجال الأمن، فضلاً عن انتشار العديد من حوادث التعذيب الناجمة عن السياسات القمعية لأجهزة الأمن.
ـ تفجر وانطلاق حركات اجتماعية في مصر انبثقت من سياسات تراكمية انتهجها النظام السياسي المصري طوال فترة حكم الرئيس السابق. مثل الحركة المصرية من أجل التغيير أو ”كفاية” (سبتمبر 2004) للاحتجاج علي إجراءات انتخابات الرئاسة، وتركز سلطات صنع القرار في مؤسسة الرئاسة، وقانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات المدنية. وتولد عن حركة كفاية ” شباب من أجل التغيير” و”كفاية من أجل التغيير”. ويمثل الإخوان المسلمون أكبر الجماعات المعارضة في مصر، وأقواها تأثيرًا ونجحت الجماعة أيضًا في حشد الدعم من أجل الإصلاح السياسي الذي يأخذ شكل الأحكام والقيم الدينية. وكرد فعل علي استبعادهم القسري من المجال السياسي، دعوا إلي حركات سياسية حاضنة وجماعية، والمطالبة بوضع حد لقانون الطوارئ، وإزالة القيود الأخري علي النشاط السياسي، كما شن القضاة الإصلاحيون في داخل ” نادي القضاة ” حملة لاستعادة استقلال السلطة القضائية، وضمان شفافية عملية الانتخابات من خلال الإشراف القضائي، ومراقبة الانتخابات. بالإضافة إلي حركة 9 مارس، حيث احتج أساتذة الجامعات علي وجود تدخل مسئولي أمن الدولة في الحرم الجامعي، ومن أجل المطالبة باستقلال الجامعات وحرية المجتمع الأكاديمي. فضلاً عن مظاهرات قبطية اندلعت في الإسكندرية ، ففي عام 2004 قامت احتجاجات علي قانون الأحوال الشخصية، وطالبوا بالحريات الدينية، وثارت احتجاجات قبطية أخري كرد فعل علي الهجوم علي الكنائس والرموز الدينية ودور العبادة،(16) وفي هذا السياق، وجدت عشرات المسميات من الحركات الاجتماعية أو الاحتجاجية، التي نشأت تباعا مثل ”لا للتوريث”، و”نقدر” و”ائتلاف المصريين من أجل التغيير” (17).
ـ جاء التزوير العلني للانتخابات البرلمانية لعام 2010 ليضفي صورة قاتمة للمشهد السياسي المصري، متحديًا أحلام المصريين في انتخابات رئاسية نزيهة، واضعًا ملف التوريث علي الطاولة، مؤكدًا بشكل ضمني علي استمرار، بل الحفاظ علي سياسة مزج رأس المال بالسلطة، متجنبًا انتهاج سياسة اجتماعية واضحة لرفع الفجوة الشاسعة بين الطبقات.
ـ قيام ثورة تونس ونجاحها في إسقاط النظام وهروب الرئيس التونسي إلي خارج البلاد كان من أبرز العوامل الخارجية لقيام الثورة، وهذا مثلما حدث في ثورة 1919 حيث كان قيام الثورة الروسية وما طرحته من إمكانية قلب الأنظمة السائدة دافعاً لتطور الحركات الوطنية في كثير من المستعمرات آنذاك، وكما تبعتها الهند والعراق والمغرب وليبيا نجد ثورة 25 يناير تلتها اليمن والجزائر وليبيا والبحرين.
ومن ثم تُعد ثورة الشباب الافتراضية هي الشرارة المؤثرة التي أدت إلي تجميع الزخم التراكمي للاحتقان السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتحام الشرائح والفئات الاجتماعية المختلفة التي ساندت هذه الانتفاضة. وبات من الملائم تقديم احتجاجات ومطالبات فئوية، مما أدي إلي التلاحم بين بُعدين أساسيين: بُعد سياسي يتمثل في المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة والقضاء علي احتكار الساسة وإنهاء السلطة التسلطية والأبوية في النظام المصري، وبُعد اجتماعي عبرت عنة الجماهير الثائرة في مطالباتها الفئوية مثل بزيادة الأجور والتثبيت الوظيفي ومعالجة الفقر وإعادة النظر في الدخول و ترشيد الدعم ووصوله لمستحقيه، مما أسهم في توسيع دائرة الثورة الشعبية والاتجاه نحو التلاحم بين المواطنين بكل فئاتهم.
ولكن يبقي التساؤل المحوري حول لماذا نجحت هذه الثورة التي قادها الشباب في تحقيق التغيير، وهو ما لم تبلغه الحركات الاجتماعية التي شهدها الواقع المصري في الفترات التي سبقت الثورة الشعبية في 25 يناير2011 .
ـ أبرزت الخبرة الواقعية محدودية قدرة الحركات الاجتماعية السابقة كحركة ”كفاية” لتحريك المواطنين، لتركيزها علي المطالب السياسية المتعلقة بالديمقراطية والحريات وشكل نظام الحكم، وهي اهتمامات حقيقية ومشروعة للنخبة المثقفة، بينما مازالت مطالب القطاع الأكبر من المواطنين تتعلق بقضايا اقتصادية محضة كالأسعار والبطالة وانخفاض الدخول.
ـ البطء في إدارة الأزمة من جانب السلطة، حيث اتخذت خطوات متباينة تشير إلي ارتباك وعشوائية في التفكير وعدم القدرة علي مواجهة متطلبات الشباب التي بدأت طموحاتهم تتصاعد كلما تعنتت السلطة أو تباطأت في تحقيق تلك المطالب مما أدي إلي المطالبة بإسقاط النظام برحيل الرئيس.
ـ اضطرت الدولة تحت وطأة المظاهرات الحاشدة وإصرار جموع الشعب إلي تقديم تنازلات متعددة يوماً بعد يوم، من تعيين نائب لرئيس للجمهورية طالب به المواطنون منذ زمن بعيد، وإقالة الوزارة، وتعيين رئيس وزارة مكلف بتشكيل حكومة جديدة. وقد تسارعت الأحداث، وتزايد الإصرار من قبل جموع الشعب الذي انتشر متظاهراً بقوة في معظم محافظات مصر.
ـ الانشقاقات والانقسامات الداخلية في الحركات السابقة: شهدت تلك الحركات الانقسامات والانشقاقات البينية والتفتت الداخلي إلي مجموعات أصغر، وذلك يرجع إلي افتقادها للإطار الأيديولوجي الجامع، وغياب كوادر منظمة، وهيكل قيادي موحد، وافتقاد شروط العضوية، وأحد أسباب الانشقاق في هذه الحركات كان يرجع إلي ضعف الوعي السياسي الحزبي، أو استغلالهم لصالح جماعات حزبية معينة، بينما لم يكن هذا هو حال الثورة الشبابية المعاصرة التي امتلكت وعيا سياسيا واجتماعيا مكنها من فرض إرادتها(18).
ـ لقد كان استخدام ”القوة الخشنة” لقوات الأمن المركزي بتفويض من الدولة بهدف قمع عمليات الاحتجاج والتظاهر سببًا أساسيًا في تحقيق أهداف ثورة 25 يناير، ولم يخفي علي الثوار ما لجأت إليه السلطة من الاستعانة بما يسمي بـ”القوة الناعمة” وذلك باستقطاب شخصيات معارضة أملا في تزييف وعي الشباب وتحسين صورة السلطة لديهم، وقياس النبض الشعبي بعد الإعلان عن تعديل بعض السياسات الإصلاحية بهدف تبديد قوة المعارضة الجماهيرية (9) ولم تكتف بذلك وإنما لجأ النظام إلي أساليب تؤدي إلي الإحباط لدي الجماهير والاستمرار في التعنت وعدم الاستجابة للمطالب الشبابية، مما أسهم بفعالية في تعاطف الجماهير مع الثورة واتساع رقعة المؤيدين لهذه المطالب وتحولها من كونها مطالب سياسية طالب بها الشباب لتصبح مطالب اجتماعية لها مؤيدوها من الفئات الأخري في المجتمع.
ويبقي أن نشير إلي التغيرات المتدرجة التي نتجت عن هذه الثورة حتي وصلت إلي مرحلة إسقاط النظام بتخلي الرئيس مبارك عن مسؤلياته (علي حد تعبير نائب رئيس الجمهورية آنذاك).
ـ تظاهر آلاف المصريين في يوم الثلاثاء 25 يناير ”يوم الغضب” الذي شهد مظاهرات ضخمة تطالب بإسقاط النظام، والقضاء علي الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وانتشرت سيارات الأمن المركزي والسيارات المصفحة وعربات الإطفاء وسيارات الإسعاف في معظم الميادين والشوارع الرئيسية.
ـ قُتل العشرات وأُصيب المئات في اشتباكات مع الشرطة في القاهرة ومختلف المحافظات فيما عُرف ”بجمعة الغضب”، وأدي انسحاب قوات الشرطة إلي إصدار الرئيس السابق أمراً للجيش بنشر قواته ومدرعاته لحفظ الأمن والنظام وفرض حظر التجول في القاهرة والاسكندرية والسويس من 6 مساء إلي 7 صباحاً. وفي ليل الجمعة، ألقي مبارك بياناً أقال فيه حكومة ”أحمد نظيف ”. وفي وقت لاحق عين ”رئيس المخابرات العامة” 31 نائباً له، كما عين ”أحمد شفيق” رئيساً للوزراء. وقد أدت الحكومة الجديدة اليمين الدستورية في الاثنين 31 يناير. ثم أعلن الرئيس السابق في أول فبراير عدم ترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة المقبلة عندما تنتهي فترة رئاسته في سبتمبر المقبل.
ـ تم إصدار قرار بالتحفظ علي أموال بعض رجال الأعمال، ومن بينهم أحد قيادات الحزب الوطني – والوزراء السابقين والحاليين وتحديد إقامتهم، لمحاولة التخيف من حدة الاحتجاجات.
ـ دعا نائب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء لإجراء حوار مع كافة التيارات السياسية ، فضلاً عن جماعة الأخوان المسلمين، وممثلين من شباب 25 يناير. ولكن لم تكن هذه الحوارات، والإجراءات التي سبقتها ذات جدوي ولم تؤد إلي تراجع المعتصمين – في ميدان التحرير- عن مطالبهم بإسقاط النظام برحيل الرئيس.
ـ أصدر الرئيس السابق قراراً في يوم الأربعاء 8 فبراير بتشكيل لجنة لدراسة واقتراح تعديل بعض الأحكام الدستورية والتشريعية.
ـ قام الرئيس بتفويض صلاحياته لنائبه يوم الخميس 10 فبراير، بعد أن وصلت الاحتجاجات إلي ذروتها، ولكن جاء هذا التفويض في إطار خطاب وصفه المراقبون بأنه لم يكن موفقًا، وأثار استياء المعتصمين، وزاد من تمسكهم برحيل الرئيس، كما أن بعضهم أعلن تصميمهم التوجه إلي قصر الرئاسة إمعانًا في التأكيد علي التمسك بمطالبهم.
ـ أصدر نائب الرئيس مساء الجمعة 11 فبراير بيانًا يوضح تخلي الرئيس عن مهامه للقوات المسلحة، ويعلن الشعب من جانبه بدء مرحلة جديدة قد تبدو غير واضحة المعالم.
عقب البيان الذي أصدره نائب رئيس الجمهورية (11 فبراير 2011) والذي أعلن فيه بكلمات مقتضبة تخلي رئيس الجمهورية عن مسؤولياته، وتفويض القوات المسلحة بإدارة البلاد، عمت المظاهر الاحتفالية ربوع البلاد، بل وشارك التليفزيون المصري وسائل الإعلام الإقليمية والعالمية في بثها، والإعراب عن التهاني لتحقيق المطلب الأساسي للثورة الذي كان يحمله شعار ”الشعب يريد إسقاط النظام” ليتم استبداله بعد ذلك بشعار ”ارفع راسك فوق أنت مصري” ذلك الشعار الذي يعكس ملامح استرداد مصر لكرامتها، ومكانتها بين شعوب العالم، فضلاً عن استعادتها لرونقها الذي تعرض للانطفاء خلال العقود الثلاثة الماضية، بفعل ما ذكرناه من أوضاع متدنية علي المستويات كافة.
وتشهد مصر في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها استمرار المحاولات الدءوبة من جانب ما يُطلق عليها بالثورة المضادة، والتي أبرزت مخالبها منذ اليوم الأول من ثورة 25 يناير 2011 مستندة إلي عدة آليات من شأنها أن تزرع بذور الفتنة، والقلق، والخوف، وغيرها من مشاعر سلبية قد تدفع إلي انتزاع التأييد الشعبي لهذه الثورة، وربما تؤدي إلي تباكي البعض علي الاستقرار والأمن الزائفين اللذين كانا يسودان البلاد في ظل النظام السابق. ويمكن أن نشير لأبرز تلك الآليات التي ظهر بعضها فيما قبل إسقاط النظام، ومستمرة حتي كتابة هذه السطور، أو التي قضت عليها الثورة وتم استعادتها من جانب الثورة المضادة للإنقضاض علي هذه الثورة الشعبية.
ـ الإنفلات الأمني: كان الانفلات الأمني آلية أساسية للنظام السابق لمواجهة الثورة منذ أيامها الأولي، ابتداءً من اختفاء رجال الشرطة، مساء جمعة الغضب ”28 يناير 2011” وفتح السجون مما أثار الذعر في قلوب المصريين في جميع المحافظات، وتم مواجهته بتشكيل المواطنين للجان شعبية، مرورًا بإحراق أقسام الشرطة في أوقات متزامنة، فضلاً عن أعمال التخريب والبلطجة وإحراق الممتلكات الخاصة والعامة التي استمرت فيما بعد إسقاط النظام ، علاوة علي إحراق مباني جهاز أمن الدولة في بعض المحافظات بعد إخلائها، وقد أثار هذا العمل العديد من علامات الاستفهام حول ما وجد من ملفات محروقة، وأخري ”مفرومة”، وثالثة تُركت لتثير الجدل بين أفراد المجتمع، وتُحدث مزيدًا من الفوضي والبلبلة.
ـ الأزمة الاقتصادية والمطالب الفئوية: أشار المراقبون الاقتصاديون منذ اليوم الأول للثورة إلي ما ألم بالاقتصاد المصري من انتكاسة واضحة، وهو ما ردده وأكد عليه صانعي القرار في النظام السابق، ومما لاشك فيه أن جميع المواطنين قد شعروا مردود ذلك عليهم، ولكن بعد أن تحقق رحيل الرئيس حسني مبارك عن السلطة، انطلقت المظاهرات والاعتصامات المعبرة عن مطالب فئوية، والمطالبة برحيل قياداتها الذين وصموهم بالفساد، مما يزيد من خطورة الوضع الاقتصادي المصري، وبالتالي وضعه السياسي والاجتماعي.
ـ الفتنة الطائفية: شهد ميدان التحرير ـ أثناء اعتصام المتظاهرين ـ مظاهر جسدت الوحدة الوطنية بعد أن باتت شعارًا تم طمسه لسنوات عديدة علي خلفية الأحداث الطائفية المتتالية، حيث التحم المسلمون والأقباط تحت مظلة شعارات الثورة متناسين ما بينهما من اختلافات قائمة علي الدين، ولكن بعد إسقاط النظام ظهر هذا الاختلاف من جديد ليبرز خلاف ظن الجميع أنه قد رحل مع النظام السابق، ولكن يبدو أن هناك أيادي تسعي إلي تشكيل ثورة مضادة مدركة مدي فعالية ذلك في القضاء علي الأخضر واليابس، وليس علي مكتسبات الثورة فحسب.
ومن هنا ينبغي أن نخطط بشكل جدي للقضاء علي التحديات التي تواجه الثورة، وعلي الشعب المصري أن يعي أن ثورته لن تحمي مكتسباتها الحكومة – التي اختارها لأول مرة في تاريخه الحديث ( برئاسة د.عصام شرف) فحسب، بل إنه يتقاسم مع هذه الحكومة المسؤولية، فلا يجب الاستمرار في سياسة الارتكان علي صانعي القرار، ويجب المشاركة في إعادة صياغة العلاقة بين رجال الشرطة والمواطن كخطوة للقضاء علي الانفلات الأمني، والتوقف عن المطالب الفئوية لإنقاذ الاقتصاد المصري من المزيد من التردي، ونشر الوعي بين المسلمين والأقباط بما ترسبه هذه الأحداث من دمار شامل لا يعرف لاختلاف الديانة عنواناً. ومن ناحية أخري، فإنه مع إطلاق حرية تأسيس الأحزاب السياسية، وعودة الروح للنقابات المهنية بإلغاء قانون 100 لسنة 1993 الذي قيدها وقضي علي دورها السياسي، بل والخدمي أيضًا، فضلا عن الإشراف القضائي علي الانتخابات مما يسفر عن المشاركة السياسية نتيجة ثقة الشعب في القضاء. وأخيرًا تبقي الحاجة الملحة لتليفزيون مصري يعمل وفقًا لمبادئ مهنية وطنية، مع عدم افتقاد الحرفية التي جعلت مواطنيه يديرون له ظهورهم ملتفين حول قنوات قد تعمل بشكل أو بآخر لصالح ثورة مضادة أكثر عنفًا. فهل نستطيع أن نحافظ علي مكتسبات تحققت في يوم ”الغضب الشعبي” بدماء شباب ضحي من أجل مصر؟

الهوامش

1ـ أنتوني جيدنز:”علم الاجتماع”، ترجمة: فايز الصياغ، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، طبعة أولي، ص 468 ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع إلي أنتوني جيدنز: مقدمة نقدية في علم الاجتماع، أحمد زايد وآخرون (ترجمة)، القاهرة، جامعة القاهرة، كلية الآداب، مطبوعات مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، 2002ص ص 112 ــ 1116
2ـ السيد الحسيني: ”علم الاجتماع السياسي . المفاهيم والقضايا”، دار المعارف، القاهرة، طبعة أوليي، ص 299.
3ـ محمد علي محمد: ”أصول الإجتماع السياسي”، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1980 ص ص 435 ــ 436 .
4ـ محمد علي محمد: ”أصول الإجتماع السياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص4337 وللمزيد أنظر في:
– Sombart: زSocialism and Social Movementس, London, 1909.
– Tonnies: زCommunity and Associationس, London
5- Craig Calhoun and othera: Sociology, sixth edition, New York,Mc Graw- Hill, 1994 ,p
6ـ ر. بودون وف. بوريكو: ” المعجم النقدي لعلم الاجتماع”، ترجمة: سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط أولي، 1986 ص ص 270 .
7ـ محمد علي محمد: ”أصول الاجتماع السياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص439 ــ440.
8ـ السيد الحسيني: ”علم الاجتماع الاسياسي”، مرجع سبق ذكره، ص ص 304 ــ 308.
9ـ السيد الحسيني: المرجع السابق ذاته، ص ص 355ــ 397
10ـ لمزيد من التفاصيل حول الثورات انظر: أحمد مجدي حجازي: ”الفلاح المصري بين التمرد والاستكانة: تحليل سوسيولوجي لحركة الفلاحين في مصر”، القاهرة، الدار المصرية السعودية، 2005.
رأي العالم في الثورة المصرية: أوباما يجب أن نربي أبنائنا ليصبحوا كشباب مصر، وزير الخارجية الألماني: مصر حقاً دولة عظيمة، رئيس وزراء إيطاليا: لا جديد في مصر لقد صنع المصريون التاريخ كالعادة، ستولتنبرج رئيس وزراء النرويج: اليوم كلنا مصريين. هاينز فيشر رئيس النمسا: شعب مصر أعظم شعوب الأرض ويستحق جائزة نوبل للسلام، السي إن إن: لأول مرة نري شعباً يقوم بثورة ثم ينظف الشوارع بعدها من هذا الذي يقدح في الثورة البيضاء.
11ـ يمكن الرجوع إلي: أحمد مجدي حجازي: ”العولمة وآليات تهميش البني التقليدية ذ التحديث من منظور مختلف”، بحث نوقش في ندوة ”تبدل القيم والأنساق الثقافية بين المدينة وأطرافها ذ الإمارات نموذجاً” والتي نظمتها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، نوفمبر 1995 وحول مفهوم الفقر وقياسه يمكن الرجوع إلي المصدر التالي:
Streeten, P.سPoverty Concepts And Measurementsس In R.Vander Hoeven &P.Anker, (Eds), London:Poverty Monitoring, 4991
12ـ أحمد مجدي حجازي: أزمة القيم، مجلة الديموقراطية، عدد القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، شتاء 2003ص56 .
13ـ عمار علي حسن: الحركات السياسية الجديدة: صعوبات التجذر الاجتماعي، (في) أحمد ثابت (محرر) حدود الإصلاح السياسي، القاهرة، ميريت، 2007ص ص224 ــ 225 .
14ـ حول البعد الطبقي ونقده يمكن الرجوع إلي المصادر التالية
Scott,J; Class Analysis, ”Back to the future in sociology”,Vol.28,NO4,1994,p933
وكذلك رمزي زكي، وداعاً للطبقة الوسطي، القاهرة، دار المستقبل العربي، 1997
15ـ أحمد مجدي حجازي: المواطنة والانتماء بين النظرية والتطبيق : التجربة الماليزية نموذجًا، (في) أحمد مجدي حجازي (محرر)، المواطنة وحقوق الإنسان في ظل المتغيرات الدولية الراهنة، القاهرة، الدار المصرية السعودية، 2010ص ص 26ــ 27 .
16- تقرير التنمية البشرية 2008 العقد الاجتماعي في مصر: دور المجتمع المدني، ط 1 القاهرة، مطبوعات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ، مايو 2008ص10.
17ـ علي الدين هلال: ”النظام السياسي المصري: بين إرث الماضي وآفاق المستقبل”، 1981 ــ 2010ص ص 469ــ 471.
18ـ علي الدين هلال:المرجع السابق ذاته، ص ص 473ــ 476.
19ـ تقرير التنمية البشرية 2008 مرجع سابق، ص10.
20ـ حسن سلامة: الشباب وحركات التمرد، مجلةالديمقراطية، العدد السا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: