الدولة في عصر العولمة: رؤية من المنظار الوظيفي جمال منصر

تؤدي كل النظم السياسية الوظائف نفسها تقريبا، وإن اختلفت المؤسسات التي تضطلع بها باختلاف الأمكنة والأزمان، أضف إلي ذلك أن من أهم ميزات الأبنية السياسية أنها متعددة الوظائف حيث ينهض نفس البنيان بأكثر من وظيفة.
ومع التسليم بهذه المنطلقات النظرية، فإنه يجب القول أن الدولة الوطنية لم تعد الوحدة المركزية الأساسية في النظام العالمي الحالي كما كانت عليه في السابق، خاصة في ظل بروز قوي اقتصادية واجتماعية محلية وعالمية منافسة هذا من جهة، ومن جهة أخري لازالت الدولة متمسكة كل التمسك بموقعها المحوري، وبكونها صاحبة القرار الأول في الأمور الحيوية، وهذا ينطبق علي كل دول العالم بما في ذلك أكثرها ضعفا.
إن هذا الوضع هو الذي يحدد وظائف الدولة الوطنية في عصر العولمة، هذه الوظائف التي تشهد تغيرا في محتواها وفي نطاقها، فنطاق قيام الدولة بوظائفها قد اختلف أفقيا وعموديا؛ أفقيا بمعني إمكانية امتداده خارج إقليم الدولة، وعموديا بمعني أنه صار يمتد من القمة إلي الوحدات المحلية الصغيرة ونتيجة لذلك برزت وازدادت الأهمية النسبية لبعض الوظائف وتراجعت في المقابل أهمية وظائف أخري.
وفي نطاق دراسة وظائف الدولة في عصر العولمة سيتم استعراض هذه الوظائف، وفق الترتيب الآتي:

أولا: الوظائف السياسية والأمنية.

إن التداخل بين القضايا السياسية والأمنية في الحياة الدولية المعاصرة يجعل من الصعب الفصل بينها فصلا تاما، وإذا تعلق الأمر بوظائف الدولة الوطنية في هذين المجالين فإن محاولة الفصل ستكون أكثر صعوبة، ورغم ذلك يمكن إدراج وظائف الدولة الوطنية في المجالين السياسي والأمني كل علي حدي علي النحو الآتي:

1ـ الوظائف السياسية.

إن السياسة ككل الظواهر الحياتية الأخري ليست بمنأي عن العولمة، لذلك ليس غريبا أن يعاد النظر في الوظائف السياسية للدولة الوطنية، خاصة وأن هذه الوظائف بدأت تعرف تغيرا حقيقيا علي المستويين الداخلي والخارجي.
وفي هذا الإطار يري دعاة العولمة أن مفهوم الحكم ”Governance” هو الأكثر تعبيرا عن وتناسبا مع حقائق الواقع السياسي الوطني والدولي في الوقت الراهن، إذ لم تعد الحكومات وحدها هي التي تحتكر الوظائف السياسية في الدولة ( وظائف الحكم ) وإنما باتت تشاركها في هذه الوظائف جهات عديدة أخري داخلية وخارجية، ومن ثم يمكن القول أن الحكم كنشاط لم يعد مقصورا علي الحكومات ككيانات رسمية تستند في ممارستها لمهام الحكم إلي سلطة رسمية وإنما أصبحـت ممارسـة الحكـم متاحـة أمـام العـديد من القوي غير الرسمية سواء كانت وطنية أو خارجية (1) ويري البعض أنه ينبغي في هذا الصدد البحث عن صيغ جديدة لمفهوم السيادة الوطنية ذ في ظل حالة الانحسار التي تعرفها الدول الوطنية بفعل العولمة ذ ولعل إحدي هذه الصيغ ما يتم التعبير عنه بإيجاد ”هيئة حاكمة ذ دون حكومات” تضبط آليات عمل العولمة. هذه الهيئة الحاكمة الدولية تعرفها جوزيفا لاروش بأنها: ”تبدو كمجموعة من الضوابط الناتجة عن تعددية القوي والمكونات الفاعلة في إطار العولمة والتي أصبحت نشاطاتها متداخلة جدا. (2)”
وعندما تمارس هذه الهيئة الحاكمة الدولية مهامها يمكن أن تأخذ الإدارة العالمية الجديدة عدة مسارات واتجاهات مستقبلية محتملة (3)
الاتجاه الأول: هو الاتجاه نحو السوقنة؛ والذي يتضمن سيطرة الاقتصاد علي السياسة حيث تسير السياسة بقوانين السوق ويتحكم منطق حرية السوق في الدولة، هذا الأمر يعني في المرحلة الأولي تجاوز الدولة ثم تهميشها وأخيرا انحسار دورها في الشأن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، ومن ثم السياسي علي الصعيد العالمي، ومن هنا يتضح أن الدور الأساسي للدولة ذ إذا أرادت الاستمرار- هو استعادة أولوية السياسة علي الاقتصاد.
وفي هذا الصدد يقول كل من هانس بيتر- مارتن وهارالد شومان في كتابهما ”فخ العولمة”:” إن استعادة الإرادة السياسية، أعني أولوية السياسة علي الاقتصاد هي المهمة المستقبلية الأساسية، فقد صار جليا استحالة الاستمرار في السير علي هدي التوجه السائد الآن. فالتكيف الأعمي مع التغيرات التي تفرزها السوق العالمية يقود المجتمعات إلي فوضي لا مناص منها، إنه يقود إلي هدم البني الاجتماعية، هذه البني التي تشكل سلامتها ضرورة حتمية لهذه الدول، ولا طائل من انتظار ما تقدمه الأسواق والشركات العابرة للقارات من حلول لمواجهة القوة التدميرية الآتية من أولئك الذين سيدفعهم التهميش والخسران إلي التطرف، فلا الأسواق ولا الشركات العابرة للقارات لديها الحلول لمواجهة هذه المخاطر. وسيكون من أهم الواجبات التي يتحتم علي السياسيين النهوض بها، إصلاح الدول وإعادة أولوية السياسة علي الاقتصاد.(4)
الاتجاه الثاني: هو الاتجاه نحو الوحدنة والذي يبدأ بالاتجاه العالمي نحو التنسيق بين القوي الإقليمية والمؤسسات العالمية والمنظمات الحكومية وغير الحكومية لإدارة شؤون العالم، علي صعيد تطبيق التشريعات والسياسات وتحمل المسؤولية تجاه أمن، استقرار ومصير العالم.
ومن الجدير بالذكر أن جميع هؤلاء النشطاء قد أثبتوا أن الدولة الوطنية، ليست هي الأداة أو الوسيلة الوحيدة في إدارة السياسات العالمية، بل إن الدولة ”المعولمة ” أصبحت فاعلا من مجموع فواعل أخري دون أن تفقد كليا دورها كراع للمصلحة العامة. (5)
ومن ثم فالتحول الذي حدث يتمثل في التحول من السيادة المطلقة إلي السيادة النسبية، وتبعا لذلك تمارس الدولة وظائفها في بعض المجالات بوصفها صاحبة السيادة والسلطان المطلق، وفي مجالات أخري تمارس هذه الوظائف بوصفها تتمتع بالسيادة والسلطان النسبي، فالحفاظ علي الأمن والاستقرار الداخلي وحماية الملكية العامة والخاصة تدخل في نطاق الوظائف التي تتمتع فيها الدولة بالسيادة المطلقة أو شبه المطلقة، في حين أن الوظائف التي تدخل في نطاق فرض الضرائب وتحديد التعريفة الجمركية علي سبيل المثال، فإنها ستواجه بالعديد من القيود الخارجة عن نطاق سيطرة الدولة وتحكمها.
إن هذا الواقع الذي أفرزنه العولمة، يفرض علي الدولة الوطنية في المجال السياسي الاضطلاع بالوظائف الآتية:
1ـ الدور التطويري للدولة في ظل العولمة، ويشمل هذا الدور يتعلق بتطوير مؤسسة الدولة ذاتها والمؤسسات السياسية التابعة لها، هيكليا،وظيفيا وفكريا.
2ـ إعادة تنظيم العلاقة بين السياسة والمجتمع، فإن كانت فترة الحرب الباردة قد شهدت اتساعا للحيز السياسي الرسمي بحكم الواقع القائم آن ذاك، فإن المرحلة الحالية تشهد اتساعا ملحوظا لنطاق المجتمع المدني وانحسارا نسبيا للنطاق السياسي الرسمي، والأمر يتطلب الوصول إلي صيغة متوازنة بين النطاقين تكفل تحقيق التكامل والتوافق والانسجام فيما بينهما بما يؤدي إلي زيادة كفاءة وفعالية الإدارة السياسية للمجتمع. (6) فالتحول الديمقراطي الناجح يحتاج إلي مجتمع قوي، ناضج وحديث، ولا يتعارض علي هذا النحو مع وجود دولة قوية. بل علي العكس يحتاج التطور الديمقراطي إلي دولة قوية منفتحة وحديثة.
3ـ الوظيفة التنظيمية للدولة وتدورحول قيامها بتنظيم عملية تحمل الالتزامات والمسؤوليات كفاعل دولي. (7) بما يتلاءم والحفاظ علي كيانها الذاتي ويوفر لها القدرة علي الوفاء بهذه الالتزامات والمسؤوليات تجنبا لأية ضغوط خارجية، هذا بالإضافة إلي ضرورة قيامها بتنظيم علاقاتها بالفاعلين الآخرين من غير الدول، بما يؤدي إلي زيادة قدرتها وكفاءتها في التعامل مع هؤلاء الفاعلين، وبما يساعدها علي استيعاب المتغيرات النابعة من هؤلاء الفاعلين والمؤثرة عليها.(8)

2ـ الوظائف الأمنية.

لاشك أن تحقيق الأمن الداخلي والحفاظ علي الأمن الخارجي من الوظائف التقليدية للدولة والتي كان ينظر إليها فلاسفة السياسة كمهمة مركزية للدولة وكان الاعتقاد السائد لدي العديد من السياسيين الممارسين أن الواجب الأسمي للدول هو تولي هذه المهام بفاعلية.
و قد ارتبط مدلول الأمن بمفهوم الخطر والتهديد، فلا نستطيع تعريفه إلا في مجال داخلي ودولي محدد وبذلك فهو يمثل المحصلة النهائية لمستوي ودرجة التحصين لكيان الدولة من الداخل والخارج. وبقي مفهوم الأمن محافظا علي أهميته الجوهرية في عصر العولمة بكل أبعاده سواء الداخلية أو الخارجية، وليس ذلك غريبا ففي كل العهود والأزمنة كان للاقتصاد، الحروب والسياسة روابط ضيقة ومتقاربة. (9)
إلا أن الجديد في هذا المجال يتمثل في القضايا والإشكالات الجديدة التي تواجه الدولة في عصر العولمة الأمر الذي يفرض تطوير المهمة الأمنية للدولة وتحديث أساليب أدائها. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلي بعض القضايا الجديدة وما تتطلبه من وظائف أمنية للدولة الوطنية علي المستويين الداخلي والخارجي:
1ـ التعرف علي أنواع الجرائم التي تهدد الأمن الوطني كالجرائم الاقتصادية منها: غسيل الأموال، التلاعب بالبورصة والفساد الإداري. ووضع مخطط علمي وعملي للتعامل معها، حيث أن الآثار الناتجة عن مثل هذه الجرائم علي أمن الدولة لا تقل عن التهديدات الخارجية ويدخل في هذا الشأن الجرائم الممكن حدوثها من خلال التجارة الإلكترونية والجريمة الدولية وتجارة المخدرات ودفن النفايات النووية والكيميائية. إلخ. وهكذا نجد أن مجالات الوظيفة الأمنية قد اتسعت وتعقدت بصورة غير مسبوقة، حيث أن مثل هذه الجرائم تهدد الأمن الوطني للدولة من زوايا مختلفة. (10)
2ـ مقاومة التطرف والإرهاب، حيث أن ظاهرة التطرف والإرهاب تعد من الظواهر الخطيرة التي تهدد الأمن الوطني. وعلاج هذه الظاهرة لابد وأن يجمع بين الأساليب الأمنية، الاقتصادية، الاجتماعية والنفسية، وعلي هذا الأساس أصبحت محاربة الفقر إحدي أدوات الأمن. ودعم التنمية عاملا مهما للاستقرار. (11)
3ـ فيما يتعلق بمفهوم الأمن الخارجي والذي يدور حول الحفاظ علي سلامة إقليم الدولة براً بحرا وجوا، ومنع تعرضها للعدوان الخارجي وتوفير القدرة اللازمة للتصدي له، هذا بالإضافة إلي الدفاع عن مصالح مواطني الدولة في الخارج، هذا المفهوم للأمن الخارجي لم يعد قاصرا علي هذه الجوانب التقليدية فاختراق إقليم الدولة لم يعد يتم بالوسائل العسكرية المباشرة وإنما يتم بوسائل تكنولوجية متطورة، من خلال الأقمار الصناعية وغيرها من وسائل جمع المعلومات الحديثة ويتم كذلك من خلال ما يمكن أن نطلق عليه ”الأساليب الذكية” التي تدور حول تحليل البيانات الإستراتيجية للدولة والتعرف علي كيفية إدراك صانع القرار السياسي للواقع السياسي الذي يعمل في إطاره داخليا وإقليميا وعالميا. ومن هنا فإن تحقيق الأمن الوطني علي هذا المستوي لم يعد يتم من خلال الأساليب العسكرية وحدها، وإنما من خلال أساليب جديدة تعتمد علي العلم والمعارف المتطورة.
وفي هذا السياق أصدر اتحاد العلماء الأمريكيين بيانا جاء فيه :”. إن العالم لم يعد يدار بالأسلحة بعد الآن أو الطاقة أو المال، إنه يدار بالأرقام والأصفار الصغيرة. إن هناك حربا تحدث الآن. إنها ليست لمن يملك رصاصا أكثر إنها حول من يسيطر علي المعلومات، ماذا نسمع أو نري؟ كيف نقوم بعملنا؟ كيف نفكر؟ إنها حرب المعلومات. (12) وهكذا يضاف إلي مدلولات الأمن الواسعة مدلول جديد اسمه ”الأمن المعلوماتي”، يفرض علي الدولة الوطنية أخذه بعين الاعتبار في هذا القرن الذي تؤدي التكنولوجيا فيه دورا أساسيا.
4ـ وفي مجال الأمن الخارجي كذلك تبرز قضية التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول لاعتبارات إنسانية وقد أخذ هذا النمط يتخذ شكل النزعة الإنسانية المسلحة المتجسدة في بعث جيوش متعددة الجنسية لفرض احترام حقوق الإنسان في دول مختلفة.
ومع أن مسألة التدخل الدولي لغايات التوسع ولخدمة المصالح الحيوية للقوي الكبري ليست بالأمر الجديد إلا أن طبيعة التدخل قد تغير غطاؤها الشرعي وإطارها العملي. ففي حين كانت تخاض الحروب باسم الدين والقيم العليا في العصور الوسطي، هيمنت علي الحرب الباردة المعطيات الأيديولوجية والإستراتيجية وتمت حالات التدخل المسجلة في تلك الحقبة في إطار الصراع القطبي بين المعسكرين المتناوئين.
غير أنه بعد اندثار المعادلة القطبية السابقة وتفكك الإتحاد السوفياتي، برز التركيز غير المسبوق علي مبدأ حماية حقوق الإنسان وتم تحويله إلي أحد مرتكزات السياسة الخارجية لدول الشمال، وأحد معايير الاستفادة من عونها المالي والاقتصادي، وطرحت بالتالي قضية التدخل الإنساني علي أساس أنها ليست تدخلا لهذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك، بقدر ما هي شعور متنام بالمصير المشترك لكل بني الإنسان(13).
لكن الثغرة الأخطر في تطبيق هذا المبدأ، تكمن حاليا في الطابع الانتقائي للتدخل، حيث نري القوي الكبري تحبذ التدخل في مناطق بعينها، وتعرض عنه في مناطق أخري، مما يولد ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الأهلية وحروب الإبادة الجماعية وقضايا حقوق الإنسان بشكل عام.
وبذلك يقوم مبدأ التدخل الإنساني بوظيفة تبريرية توفر غطاء الشرعية الدولية لتدخل الدول الكبري ذوعلي رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ذفي الشؤون الداخلية للدول الصغري، مما يعد انتهاكا لمبدأ السيادة الوطنية. وهذا ما يعكس التحول الذي يشهده العالم من التركيز علي مفهوم السيادة إلي التركيز علي الأمن الدولي كما تتصوره القوي الكبري. (14)
وتكمن الوظيفة الأمنية للدول الوطنية-خاصة في العالم الثالث – إزاء خطر التدخل الأجنبي في تجنب حدوث أي حالات تبرر أو تفتح الباب أمام مثل هذا التدخل، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الالتزام بتطبيق القانون بموضوعية وشفافية علي جميع المواطنين دون تمييز، وتوفير سلطة قضائية منضبطة.

ثانيا: الوظائف الاقتصادية والاجتماعية.

إذا ما رجعنا إلي الأدبيات المعاصرة التي عنيت بدراسة الدولة ووظائفها الجديدة في عصر العولمة، سنلحظ اهتماما وتركيزا واضحا علي مجموعة الوظائف الاقتصادية للدولة، وربما يرجع ذلك إلي ازدياد أهمية العوامل الاقتصادية في الواقع المعاصر، وهو ما يدعو إلي التساؤل في الوقت ذاته عن الوظائف الاجتماعية للدولة، نظرا للعلاقة التلازمية بين الجانبين الاقتصادي والاجتماعي.

1ـ الوظائف الاقتصادية.

خضع دور الدولة وتدخلها في الشؤون الاقتصادية أو عدمه، لجدلية تاريخية طويلة عبر مسيرة الرأسمالية فلقد أسهمت الدولة الحديثة منذ قيامها في تطور الرأسمالية. إذ ساعدت علي تحقيق التراكم الرأسمالي وإقامة الصناعات علي نحو مباشر وغير مباشر في البداية، فاتسع نطاق تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وأخذ إجراءات واتجاهات متعددة تصب في خدمة استكمال بناء مرحلة التراكم الرأسمالي وإقامة الصناعات.
وبعد أن تم استكمال بناء الرأسمالية، دخل دور الدولة مرحلة جديدة، حيث أصبح تدخلها في الحياة الاقتصادية يشكل عبأ علي الرأسمالية. مما أدي إلي الدعوة إلي تقليص هذا الدور بعد أن تخطي الاقتصاد الرأسمالي مرحلة تحقيق التراكم. وظهر تعبير ”الدولة الحارسة” الذي يشير إلي اختصار وظيفة الدولة في تهيئة المناخ المناسب للأفراد ضمن المجتمع ليمارسوا أعمالهم بحرية تكاد تكون تامة. (15)
وتوضيحا للدافع الخفي الذي يقف وراء تبني دعاة العولمة لهدف إضعاف الدور الاقتصادي للدولة، يري البعض أن القوي الرأسمالية في مراحل نشأتها الأولي قد اتخذت من الدولة الوطنية أداة لتحقيق أهدافها، إذ أسهمت أجواء الأمن والديمقراطية والاستقرار السياسي، التي كفلتها الدولة في انتعاش القوي الرأسمالية محليا، ثم اتخذت الرأسمالية من القوة العسكرية للدولة أداة لتوسيع نطاق سيطرتها عالميا من خلال مرحلة التوسع الاستعماري. أما الآن فقد استشعرت الرأسمالية أنها قد وصلت إلي مرحلة النضج وإمكانية الاعتماد علي الذات، ومن ثم لم تعد بحاجة إلي دور الدولة بل أكثر من ذلك، لقد أصبحت الدولة ذمن منظار القوي الرأسمالية ذ تمثل قيدا أو عائقا يكبل حركة الرأسمالية ويعرقل جهودها قي تحقيق أهدافها، ومن ثم جاءت الدعوة إلي إحلال الشركات متعددة الجنسيات محل الدولة. وهكذا تحددت مهمة الدولة في عصر العولمة – من وجهة نظر الليبراليين الجدد – في كونها مجرد مضيفة للشركات متعددة الجنسيات.(16)
وهكذا أخذت الشركات متعددة الجنسيات تحل تدريجيا محل الدولة، إذ لم تعد حدود الدولة الوطنية هي حدود السوق الجديدة، بل أصبح العالم كله مجالا للتسويق، سواء كان تسويقا لسلع تامة الصنع أو لمستخدمات وعناصر الإنتاج أو لمعلومات وأفكار، فقفزت بذلك فوق أسوار الدولة، وأخذت هذه الأسوار تفقد قيمتها الفعلية، بل أصبحت أكثر فأكثر أسوارا شكلية، سواء تمثلت في حواجز جمركية أو حدود ممارسة السياسات المالية والنقدية، أو حدود السلطة السياسية أو حدود بث المعلومات والأفكار.
والشركات متعددة الجنسيات لا تقوم بإحداث هذه التغييرات والتعديلات وحدها، بل تستعين بجهود هيئات ومؤسسات أخري، منها المؤسسات المالية الدولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين ومنها وكالات الأمم المتحدة ومنها مختلف وسائل التأثير في الرأي العام.
وفي معرض دفاعهم عن هذه الأفكار، يقول أنصار العولمة أن الاقتصاد المعولم بتحرره من السياسة يسمح للشركات والأسواق وعوامل الإنتاج بأن تحظي بقدر وفير من الأفضلية، دون أن يشوهها تدخل الدولة ويزعمون أن التجارة الحرة والشركات متعددة الجنسيات وأسواق رؤوس الأموال العالمية قد حررت الأعمال الاقتصادية من قيود السياسة، وهي قادرة علي تزويد الناس في أرجاء العالم بأرخص المنتجات وأكثرها كفاءة. (17)
وتستهوي هذه الأفكار العديد من الاقتصاديين والسياسيين في العالم الثالث، الذي اختارت معظم دوله طريق التخطيط الاقتصادي واستأثرت بسلطة سياسية متعاظمة استخدمتها من أجل فرض خياراتها علي المجتمعات، فاستحوذت علي كل المقدرات والموارد الاقتصادية وأخذت علي عاتقها توفير كافة الخدمات وإعالة أهل الكفاف، إلا أنها في التنفيذ عجزت عن تقديم هذه الخدمات بالشكل وبالمستوي المطلوب وتعثرت خطط النمو الاقتصادي وعجزت عن المنافسة وشاعت ممارسات الاقتصاد السري والسوق السوداء، وحالات التهرب من الضرائب وعدم احترام القوانين.(18) وهذه السمات قد يعبر عنها اسم”الدولة الرخوة The soft State وهو اسم استخدمه غنار ميردال””Gunnar Myrdal في أواخر الستينيات من القرن الماضي.(19)
كل هذه العوامل دفعت الدولة الوطنية في العالم الثالث إلي التخلي عن التزاماتها التقليدية أو التحلل من كثير من وظائفها الاقتصادية، وسعت إلي قصر وظائفها علي الأمن والرقابة والعدالة وجاءت إفرازات العولمة لتعزز هذا التوجه وتدفع به قدما.
وبذلك ستكون دول العالم الثالث الأكثر تأثرا بالتحديات التي تفرضها العولمة، نتيجة ضعف أجهزتها وهشاشة مؤسساتها في بعض الحالات، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مع نقص إمكانات الدولة وعدم توفر القدرات المناسبة للتصدي للمشكلات، فضلا عن تدني القدرات التقنية للكثير من دول العالم الثالث. بينما تقوم الدول الرأسمالية في النظام الرأسمالي العالمي بالعمل علي تأمين سلامة نظامها وتوسيعه، عبر تحقيق حرية التجارة الخارجية وحرية انتقال رؤوس الأموال.
لقد شكلت الدولة الوطنية العنصر الأساسي في مفهوم الاقتصاد الدولي، وتشكل الشركات متعددة الجنسيات العنصر الأساسي في مفهوم العولمة.ورغم ذلك لازالت الدولة في عصر العولمة مطالبة بأداء الوظائف الاقتصادية الآتية:
1ـ وضع القواعد القانونية المنظمة للنشاط الاقتصادي وتوفير الضمانات القانونية والإدارية لقيام القطاع الخاص بدوره في النشاط الاقتصادي مع متابعته، ووضع الضوابط اللازمة لامتثاله للقواعد القانونية المنظمة لنشاطه. ومن ثم فوضع القواعد القانونية وحده لا يكفي، وإنما لابد وأن يرتبط به القيام بمهمة المتابعة ووظيفة الضبط الملزم للامتثال لهذه القواعد.
2ـ توفير الظروف الملائمة للمنافسة ومنع الاحتكار، وذلك من خلال مبدأ الشفافية في المعاملات والمعلومات، فلا يمكن للدولة الوطنية – مثلا- أن تحمي المهن التي تندثر نتيجة التطور والتقدم التقني والمنافسة العالمية، إنما يمكنها إدارة التحول بشكل يدفع العاملين إلي التكيف مع الأوضاع الجديدة. والسعي إلي مقاومة الفساد.(20)
3ـ وضع منظومة من السياسات المالية والنقدية المرنة، القادرة علي تمكين الدولة من إدارة النشاط الاقتصادي وتوجيهه، بما يحقق الأهداف المطلوبة للدولة ككل، ويعالج أي خلل في التوجهات الاقتصادية التي يمكن أن تحدث لنظام اقتصاد السوق.
4ـ إدارة الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية المحتملة، من خلال وضع منظومة من السيناريوهات المحتملة وتطويرها باستمرار، وإعداد فرق لإدارة الأزمات الاقتصادية المتوقعة والمحتملة.
وقد خصص البنك الدولي تقريره السنوي عن التنمية في العالم عام1997 لموضوع”الدولة في عالم متغير” وحدد التقرير الوظائف الاقتصادية للدولة علي النحو الآتي:
– إيجاد قاعدة أساسية من القانون وحماية حقوق الملكية.
– توفير بيئة مناسبة للسياسة العامة تتسم بالشفافية والمرونة وعدم الفساد.
– الاستثمار في البشر والأبنية الأساسية.(21)
إن هذه الوظائف المحددة تمكن الدولة من مواجهة انفتاح الأسواق وانتقال رؤوس الأموال والمشكلات الاقتصادية المستجدة. حتي تظل الدولة حارسة للصالح الوطني العام بدلا من أن تكون حارسة لرأس المال العالمي ومصالح الشركات متعددة الجنسيات.

2ـ الوظائف الاجتماعية: 

ظلت الدولة كصورة من صور التنظيم السياسي والقانوني للسلطة السياسية في المجتمعات تضطلع بدورها عبر العصور من خلال استهدافها تحقيق الخير العام لأعضاء المجتمع ككل. وهذا ما يصطلح عليه” بوظائف الرفاه العام ”، التي يقصد بها جميع وظائف الدولة التي يؤدي قيامها بها إلي التحسين المباشر للأحوال التي يعيش المواطنون أو يعملون في ظلها، كتحسين الصحة والسكن والضمان الاجتماعي وما شابهها من متطلبات الحياة الكريمة. وهذه الوظائف هي التي تجعل الدولة أداة للخدمة لا أداة للسيطرة. (22)
وقد وجدت هذه الفكرة قبولا واسعا خاصة منذ بدايات القرن العشرين. (23) فكانت الدولة تحرص علي الرعاية الاجتماعية لمواطنيها، فيما يتصل بتوفير الغذاء والإسكان والتعليم والرعاية الصحية والحد الأدني للأجور. كما واكب ذلك أيضا تبني سياسات الضرائب التصاعدية التي تستهدف إعادة توزيع الدخل علي المستوي الوطني تحقيقا للعدالة الاجتماعية. ودعما للطبقات المتوسطة التي تعتبر عماد الاستقرار والتوازن في المجتمع، وقد أدي هذا الاتجاه والسياسات التي تولدت عنه إلي إيجاد ما عرف بمصطلح” دولة الرفاه” (Walfer State) في الولايات المتحدة الأمريكية ونظم الاشتراكية الديمقراطية في دول أوربا الغربية.(24)
ويمكن القول بأن العوامل الباعثة علي الأخذ بهذه السياسات ذ خلال القرن الماضي ذ والتي كانت تتمثل في الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي وانتشار النزعات الديمقراطية الجماهيرية، وزيادة قوة النقابات العمالية، فقدت تأثيرها فلم تعد تحظي بنفس القدر من الاهتمام في ظل العولمة. حيث أخذ رأس المال الأجنبي يمارس ضغوطا متزايدة علي الحكومات لخفض الضرائب، وأصبح تقليص الإنفاق الحكومي علي برامج الرعاية الاجتماعية يمثل السمة الغالبة علي كافة برامج الإصلاح” Reform” الاقتصادي في دول الشمال، وبرامج التكيف ”Adjustment” في دول الجنوب، وكذا برامج التحول ”Transition” في دول الكتلة الاشتراكية السابقة.(25)
وإذا كنا اليوم نتحدث عن عالم يزيد تكامله وتقل عدالته، فإننا نتحدث في اللحظة نفسها عن الحاجة إلي الوظيفة الاجتماعية للدولة. يصدق هذا التحليل بالأساس علي دول العالم الثالث حديثة الوفود إلي الساحة الرأسمالية، والتي أورثها إطلاق قوي السوق مشاكل جسيمة لا قبل لها بها، لكن دول العالم المتقدم العريقة في التقاليد الرأسمالية، غير معفية بالكامل من مشاكل من النوع نفسه، ففي دول الاتحاد الأوربي – قبل توسيعه مؤخرا- مالا يقل عن 18مليون عاطل، كما أن 17% من سكانه يعيشون تحت خط الفقر. (26)
وأوضاع كهذه تتطلب من الدولة الوطنية الاضطلاع بمجموعة هامة من الوظائف الاجتماعية يمكن إيجازها فيما يأتي:
1ـ تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين في المجالات المختلفة من خلال آليات ووسائل جديدة تقوم علي أساس الشراكة بين الدولة والمواطنين وقوي المجتمع المدني، ومن خلال الأسلوب اللامكزي في تحديد الاحتياجات توفير الوسائل والسبل الملائمة لتلبية هذه الاحتياجات، وهو ما يعني إحياء دور المجتمع المدني في مجال تقديم هذه الخدمات.
2ـ تطوير نظم التأمينات الاجتماعية والمعاشات بما يتلاءم والظروف الجديدة وابتكار الوسائل الملائمة لإدارة واستثمار أموال التأمينات الاجتماعية، بما يؤدي إلي توفير موارد جديدة لتمويل نظم هذه التأمينات.
3ـ الاهتمام بمشكل الفقر من خلال توفير آليات نابعة من خبرة المجتمع من خلال التكافل الاجتماعي والتحول من أسلوب تقديم الإعانة إلي أسلوب المساعدة علي الخروج من دائرة الفقر.(27)
4ـ علاج الجوانب الاجتماعية لمشكلة البطالة، من خلال التعامل مع المجتمعات المحلية وتحديد طبيعة المشكلة لكل مجتمع محلي، والبحث عن أساليب نابعة من هذه المجتمعات المحلية لعلاج مشكلة البطالة بها.
5ـ إدارة الصراع الاجتماعي في أبعاده ومستوياته الجديدة المتداخلة والمعقدة وبما يؤدي إلي تقليل حدة العنف الاجتماعي لأقل درجة ممكنة، وهو ما يحقق الدرجة الملائمة من الاستقرار الاجتماعي، وذلك عن طريق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص وقوي المجتمع المدني.(28)
6ـ الاستثمار في مجال تنمية الموارد البشرية في التعليم والتدريب، لأن الدولة الوطنية تحتاج إلي مزيد من العلم والمعرفة والخبرة خاصة في مجالات الاستثمار والإنتاج، من أجل مواجهة التحديات الناشئة عن تطبيق آليات السوق. مما يتطلب دعم جسور التعاون بين مؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي من جهة وبينها وبين المجتمع ومؤسساته المختلفة من جهة أخري. بالإضافة إلي تنمية وتشجيع ملكات الإبداع بمختلف الحوافز المادية والأدبية. (29) ولأن محور الانقسام الاجتماعي قد صار بين من يعلمون ويعرفون ومن لا يعلمون ولا يعرفون، فإن قيام الدولة بتوفير الفرص المتكافئة للراغبين في التعليم والقادرين عليه واكتساب المعرفة والمهارات اللازمة لعصر العولمة، يمثل جوهر تحقيق العدالة الاجتماعية في هذا العصر.
ولاشك أن الحديث عن دور الدولة في مجال التعليم، يدفعنا للتساؤل عن الوظيفة الثقافية للدولة في عصر العولمة. وفي هذا الإطار لابد من التذكير أن العولمة تشكل تحديا للسيادة الثقافية للدول، مما يستتبع تأثيرا علي خصوصيتها الثقافية. لذا علي الدول اليوم أن تعمل جاهدة من أجل تجديد ثقافتها وجعلها أكثر فعالية في ضوء العولمة، التي أصبحت خلالها المنافسة بين النماذج الثقافية علي مستوي القيم والإنتاج والتنظيم قوية قوة المنافسة الدائرة بين النماذج الاقتصادية المختلفة.
وعلي هذا الأساس، تسعي الدول إلي المحافظة علي ثقافاتها والحيلولة دون تذويبها. ولن يكتب للدولة الوطنية النجاح في مسعاها هذا، إلا إذا قامت بأداء الوظائف الثقافية الآتية: (30)
1ـ أن تنمي في داخلها قيم الحرية والانفتاح والحوار والعدالة، ذلك أن هذه القيم هي التي تجعل ثقافة ما أكثر جاذبية من غيرها.
2ـ خلق تزاوج فعال بين الثقافة والتقانة الحديثة، مما يجعل الثقافة سلعة ذات جاذبية عالية يصبح من السهل قبولها والتعامل معها.
3ـ علي الدول التي تهدف إلي مواجهة التهديدات الثقافية للعولمة تقليل اعتمادها علي الخارج عن طريق العمل من أجل تقديم منتوج ثقافي يكون الأرقي والأجود.
4ـ الدول التي تتكون من مجموعات عرقية وثقافية مختلفة عليها العمل علي تفعيل التنوع الثقافي فيها بالشكل الذي يساهم في إغناء الثقافة الوطنية، ويحول دون إثارة الصراعات والانقسامات العرقية والثقافية التي نجدها اليوم أكثر بروزا.(31)
وما يمكن استنتاجه أنه مع مفاهيم العولمة والطابع الكوني للاقتصاد وانتشار القيم الديمقراطية لم تعد الدولة المورد الوحيد للخدمات الاجتماعية، بل دخل القطاع الخاص، وزاد دور الفواعل الأخري، وأضحي واجبا علي الدولة إحداث مزيد من التغيير لتتلاءم مع دورها الاجتماعي الجديد وإذا أخبرنا التاريخ بأن التنمية التي تعتمد علي سيطرة الدولة قد أخفقت، فإن التنمية دون دولة لن تنجح في النهاية.
وإذا كانت توجهات الليبرالية الجديدة تميل إلي تقليص دور الدولة، فإن مخاطر التوترات الاجتماعية سوف تفرض علي الدولة الرأسمالية العودة إلي التدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية مما يقتضي فعالية أقوي للدولة. وهو الحال نفسه علي المستوي العالمي من خلال كسب الأسواق الخارجية والمحافظة عليها ودعم الدور التنافسي علي الأصعدة الاقتصادية والسياسية.

خاتمة وتوصيات:

يكمن جوهر العولمة في إلغاء الحدود بين الدول وإسقاط الحواجز والقيود المادية والثقافية التي تعترض التدفق الحر للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والمعلومات في أرجاء المعمورة، وفي ضوء هذا المفهوم فإن العولمة تهدد بتنازل الدولة الوطنية عن سيادتها لصالح مؤسسات العولمة ووكالاتها الدولية وسوف يكون للتفاعلات الاقتصادية الدور الأعظم في توجيه سياسات الدول الخارجية وفي تحديد مصالحها الوطنية، وقد انتقل جزء من صلاحيات الدولة الاقتصادية السيادية إلي صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية.
وعلي طريق إضعاف الدولة الوطنية، تتيح العولمة للفواعل فوق الوطنية أساليب كثيرة للتعامل المباشر مع المنظمات الوطنية غير الحكومية كجمعيات المجتمع المدني دون علم الحكومة، وغالبا ما تتحول هذه المنظمات غير الحكومية إلي معبر للمنظمات غير الحكومية العالمية.
وفي ظل العولمة تعاني الدولة الوطنية – خاصة في العالم الثالث – ضغوطا لتقدّم تنازلات في حق السيادة من خلال استخدام سلاح المعونة الاقتصادية، أو التهديد بإثارة متاعب داخلية كالتلويح بورقة اضطهاد الأقليات الدينية أو العرقية أو انتهاك حقوق الإنسان.
إن العولمة ستؤثر سلبا علي أدوار الدولة الوطنية ووظائفها، ولكنها لن تلغي دور الدولة في تحقيق الصالح العام وإعادة توزيع الدخل، وإقامة العدل وتوفير الأمن والقيام بالخدمات الأساسية. غير أن دور الدولة الوطنية سيتراجع أساسا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. ففي ظل العولمة يتقلص دور الدولة الوطنية – إلي حد بعيد- في دعم السلع الضرورية، والرعاية الاجتماعية وحماية الشرائح المهمشة. كما تتخلي عن التخطيط المركزي، وتتبني سياسات اقتصاد السوق، ويتعين عليها تلبية مطلب منظمة التجارة العالمية في تخفيض ثم إزالة الحواجز الجمركية.
ولاشك أن دول العالم الثالث ستكون الأكثر تأثرا بالتحديات التي تفرضها العولمة لعدة أسباب منها: ضعف أجهزة الدولة وهشاشة مؤسساتها في بعض الحالات، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، مع نقص إمكانات الدولة وعدم توفر القدرات المناسبة للتصدي لتلك المشكلات.
لذلك كله، يجب علي الدولة الوطنية أن تتهيأ للتعامل مع عصر جديد، يجمع محاور اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية متداخلة. وهو ما يعني تنمية أدوار الدولة في مجالات معينة، وانسحابها جزئيا من مجالات أخري، وإعادة النظر في ثالثة أو تطويرها.
وفي هذا الإطار يخلص البحث إلي أنه يتعين علي الدولة الوطنية – خاصة في العالم الثالث – إذا أرادت ضمان استمراريتها من ناحية، وتحسين مستوي الأداء لديها من ناحية أخري، أن تبادر إلي القيام بما يأتي:
1ـ تطوير التشريعات بما يتلاءم مع الأدوار الجديدة، بمعني مراجعة التشريعات القائمة، بما فيها النصوص الدستورية المنظمة لأدوار الدولة، وذلك في ضوء الأدوار الجديدة واستحداث تشريعات جديدة تستوعب معطيات اقتصاد السوق في المجالين الاقتصادي والسياسي.
2ـ إعادة رسم السياسات التي تمكن الدولة من المنافسة في الأسواق الداخلية والخارجية، وذلك في خضم التكتلات العالمية. مع تبني سياسات رشيدة تتوخي المواءمة بين المتغيرات الإقليمية والعالمية من جهة، والمصالح الوطنية من جهة ثانية.
3ـ إعادة تنظيم الأجهزة الحكومية المختلفة، بما ينطوي عليه ذلك من تدعيم بعض الأجهزة وتحويل الأخري، وإعادة تنمية وصياغة التفاعلات والعلاقات بين هذه الأجهزة من ناحية، ثم بين الأجهزة والجماهير والمؤسسات التي تتعامل معها من ناحية أخري.
4ـ بلورة رؤي ومفاهيم استقلالية جديدة تحافظ علي جوهر السيادة ولا تقف عند أشكالها، والتي عادة ما تكون عرضة للتبدل والتغير. وتخلي دول الإتحاد الأوربي عن عملتها الوطنية وعن المفاهيم التقليدية للحدود، مثال واضح في هذا المجال.
5ـ تبني بعض القيم الثقافية التي تؤهل مؤسسة الدولة للتعامل مع القضايا التي لم تكن واردة من قبل فعلي سبيل المثال، لابد من حرية أكبر في اتخاذ القرارات، هذه الحرية تفترض توفر قيم الثقة، سواء الثقة في الذات أو في الآخرين. وقيم المنافسة التي تقوم علي التعاون والتكامل.
6ـ دفع وتشجيع روح المبادرة في الطريق الذي يحقق التكامل بين الدولة والمجتمع المدني، وغرس وتطوير القيم الديمقراطية مثل التسامح وقبول الرأي الآخر والتعايش مع الآخرين.

الهـوامش:

1-Zaki Laidi , La crise de la Gouvernance mondiale , sur le site Internet :
http://www.Vigile.net/ds-actu/docs3/03-6-2-1htm
2-Josepha Laroche , Mondialisation : Gouvernance Mondiale , IRIS . PUF , Paris , 2003. Livre rusim sur le site Internet :
http://www.albayan.co.ae/albayan/book/3002/issue762/foriegnlib/3.htm
3ـ عبد الخالق عبد الله، عولمة السياسة والعولمة السياسية، مجلة المستقبل العربي، عدد 278أبريل2002 ص35.
4ـ هانس بيتر مارتن وهارالد شومان، فخ العولمة: الاعتداء علي الديمقراطية والرفاهية، الكويت، عالم المعرفة، 1998ص39 .
5-حZaki laidi , LETAT Mondialis , sur le site Internet : ww.Laidi.com
6ـ محمد سعد أبو عامود، ”الوظائف الجديدة للدولة في عصر العولمة”، مجلة الديمقراطية، عدد3 صيف2001 ص74 .
7ـ للتفصيل في هذه المسؤوليات يرجع إلي: برتران بادي، عالم بلا سيادة :الدول بين المسؤولية والمراوغة، عالم بلا سيادة، الدولة بين المراوغة والمسؤولية، (لطيف فرج)، القاهرة، مكتبة الشروق ، 2001ص 219وما بعدها.
8ـ فريدريك جيمسون، ”العولمة والاستراتيجية السياسية”. (شوقي جلال)، الثقافة العالمية، عدد104 فبراير 2001ص ص31 ــ32
9-Carlo JEAN , ”Consquences politiques et scuritaires de la Globalisation” .in: Mondialisation et scurit, Edition ANEP , Alger,2003 , p161.
10 ــ محمد سعيد أبو عامود، مرجع سابق، ص78 .
11- Carlo JEAN , Op.cit , p171.
12 ـ عدد الوحيد . م، ”حرب المعلومات. تحديات القرن الواحد والعشرين”، مجلة الجيش، عدد482 سبتمبر2003 ص9 .
13ـ تركي الحمد،”الدولة والسيادة في عصر العولمة ”، مجلة العربي، عدد494 يناير2000 ص60 .
14ــ جلال أمين، العولمة والدولة، في: ” العرب والعولمة” . الطبعة الثالثة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية،0002 ص196 .
15-Samir Amin , Les dfis de la Mondialisation , L’Harmatton , Paris, 1997, P69.
6ــ ممدوح محمود منصور، العولمة: دراسة في المفهوم والظاهرة والأبعاد، الإسكندرية، دار الجامعة الجديدة، 2003ص35.
17ـ عاطف السيد، العولمة في ميزان الفكر: دراسة تحليلية ، الإسكندرية، مطبعة الانتصار، 2001 ص 33 .
18ــ صلاح سالم زرنوقة، ”أثر التحولات العالمية علي مؤسسة الدولة في العالم الثالث ”، مجلة السياسة الدولية، عدد122 أكتوبر 1995ص 73
19ـ جلال أمين، مرجع سابق، ص 261
20ـ عاطف قبرصي، ” إعادة نظر في دور الدولة في التنمية الاجتماعية – الاقتصادية”، مجلة المستقبل العربي، عدد282 أوت 2002 ص54 .
21ـ محمد سعد أبو عامود، مرجع سابق، ص 47.
22ــ روبرت. م.ماكيفر، تكوين الدولة، (حسن صعب) ، الطبعة الثانية ، بيروت، دار العلم للملايين 1984ص 406.
23ـ وخاصة بعد ظهور النظرية العامة لكينز سنة 1963التي دعت إلي ضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي من خلال إقرار مجموعة من السياسات النقدية والمالية والاجتماعية تجنبا لتقلبات أزمات النظام الرأسمالي.
24ــ هالة مصطفي، ”الدولة وجدت لتبقي ”، مجلة الديمقراطية، عدد93 صيف2001 ص 9.
25ـ ممدوح محمود منصور، مرجع سابق، ص 96.
26ـ جلال أمين، مرجع سابق، ص185.
27ــ أماني مسعود ” الدور الاجتماعي للدولة: انحسار أم استمرار؟ ”، مجلة الديمقراطية، عدد3 صيف2001 ص90 .
28ــ محمد سعد أبو عامود، مرجع سابق، ص77
29ــ عاطف السيد، مرجع سابق، ص38 .
30ــ باسم علي خريسان، العولمة والتحدي الثقافي، بيروت، دار الفكر العربي، 2001 ص ص176 .
31ــ محمد إبراهيم منصور، ”العولمة ومستقبل الدولة القطرية في الوطن العربي”، مجلة المستقبل العربي،عدد282 أوت 2002 ص150

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: