قراءة في ثورات المجتمع المصري

إذا ما نظرنا إلي قضية علاقة الشعوب بالسلطات الحاكمة والظواهر التي تنتجها هذه العلاقة فإن كافة المعطيات المستخدمة لوصف هذه العلاقة أو الظواهر المرتبطة بها لاتبدو محايدة خاصة عندما يتم دراسة ظاهرة الصراع بين الجانبين، فهناك علي سبيل المثال تعبيرات عديدة تصف هذه الحالات مثل ”الثورة”، ”الهوجة”، ”العصيان”، ”التمرد”، الانتفاضة.، فالتعبير ”الأول” ــ الثورة ــ هو من حظي باهتمام أكبر من قبل المنظرين في العلوم الاجتماعية، وبالأخص في الدراسات التاريخية والسياسية. وهذه التعبيرات استخدمت بطبيعة الحال في وصف العديد من التحركات الجماهيرية الواسعة عبر التاريخ المصري الحديث، سواء من جانب من نشطوا أو شاركوا في هذه الأحداث أو من جانب الباحثين والمؤرخين أو من خلال الخطاب الرسمي للسلطة الحاكمة، وهو ما قد ينسحب في الوقت الحاضر ومستقبلاً علي ماحدث في الخامس والعشرين من يناير 2011.
لن نعود إلي التاريخ البعيد، رغم أن هناك أحداث كثيرة منذ العصر الفرعوني وصفت بأنها ثورات للشعب المصري، فسوف نركز فقط علي ماتم تلقينه للأجيال المصرية منذ عام 1952عن التاريخ المصري الحديث والذي يبدأ بحملة نابليون علي مصر عام 1798.
فقد تغير وصف هذه الأحداث بعد ثورة الضباط الأحرار في عام 1952عندما أخذ ينظر إلي التاريخ من منظور دور العسكريين المصريين فيه، ومن ثم فقد تم إسقاط تعبير هوجة عرابي الذي كان سائداً قبل 25 ليحل محله ثورة عرابي أو ثورة الجيش المصري في مطلع ثمانينات القرن التاسع عشر، واحتوي التناول علي مبالغة شديدة في وصف المضمون والوطني لهذه الثورة والبطولات التي حققها الجيش المصري في مواجهة الإنجليز والخديوي، في المقابل كانت هناك دراسات أخري ــ غير ذائعة ــ قد تناولت الحدث ذاته بمنظور نقدي، وأكدت علي الطابع الفئوي لحراك بدأ بمطالب محددة للجيش المصري وانتهي بانضمام جماهيري إليه أملاً في توسيع نطاق المطالب الاجتماعية للأغلبية من المصرين، كما أعادت هذه الدراسات تقييم الأداء السياسي والعسكري لقادة هذا الحدث، بل تناولت السيرة الذاتية لبعض رموزه البارزة مثل عرابي ومحمد عبده وعبدالله النديم ومحمود سامي البارودي وغيرهم، وشاب هذا العرض النقدي أحياناً نوع من التعريض بنوايا وكفاءة عرابي ورفاقه، ولكن مابقي في النهاية نتيجة حكم ”العسكر” لمصر منذ عام 1952، أن مصطلح الثورة طغي علي مصطلح الهوجة لأسباب واضحة تتعلق برغبة العسكريين منذ عبدالناصر في إيجاد عمق تاريخي لدور المؤسسة العسكرية في صناعة التاريخ المصري، وساعد علي ذلك أن الذاكرة الوطنية المصرية ــ وربما الذاكرة القومية والوطنية لأي شعب ــ تتأثر ببعد المسافة الزمنية بين الحدث المؤرخ له وبين الاهتمام الجماهيري به.
واجمالا كانت هوجة أو ثورة عرابي ذات مردود سلبي علي مصر التي فقد إستقلالها النسبي عن الدولة العثمانية لصالح الاحتلال البريطاني المباشر، كما تعمقت الروح الانهزامية في أوساط النخب التي شاركت في هذا الحدث لتؤثر علي الحركة الوطنية إجمالاً لسنوات طويلة امتدت حتي منتصف العقد الثاني من القرن العشرين.
الحدث الثاني الأكبر في التاريخ المصري كان اندلاع ثورة 1919والتي وضعت لنفسها هدفاً هو إنهاء الاحتلال البريطاني، ووفقاً للرؤيةالتي سادت بعد عام 1952في ظل حكم العسكريين لم تكن هذه الثورة مكتملة الأركان وغلب عليها التناقض ما بين حراك جماهيري واسع وبين قيادة تمثلت في حزب ”الوفد” استخدمت هذا الحراك لتحقيق أهداف أقل من تلك التي حددتها الكتلة الجماهيرية لنفسها، وهكذا انتهت هذه الثورة بمصر إلي وضع استقلال منقوص (تصريح 28فبراير 1922) وبمشاركة محدودة للطبقة المتوسطة ”الجنينية” في التمتع بمكاسب هذه الثورة التي ذهبت إنجازاتها بشكل كامل للطبقة الاقطاعية ”أصحاب المصالح الحقيقية كما كانوا يسمون أنفسهم”.
لم يكن هناك ثمة خلاف كبير في كتب التاريخ المصرية الرسمية علي وصف أحداث مارس عام 1919علي أنها ثورة ولكن كان هناك نوع من تقليل المساحة التي تشغلها في صنع التاريخ الوطني للمصريين، بسبب عدم مشاركة العسكريين فيها من جانب، ومن جانب آخر ظل حكم الرئيس عبد الناصر ومن بعده السادات علي حذر من وضع تاريخ ”1919” في صورته الكاملة خوفا من إحياء مشاعر التعاطف مع ”حزب الوفد” والذي كانت جنازة زعيمه مصطفي النحاس عام 1965مؤشراً علي أن ذاكرة المصريين ووجدانهم ماتزال تحمل تقييماً إيجابياً لزعماء هذا الحزب، حيث شارك في هذه الجنازة عشرات الآلاف رغم الحكم البوليسي القاسي الذي كان سائدا آنذاك ورغم تسلط مناهج التعليم ووسائل الإعلام علي عقول الناس وإصرارها علي وصف كل ما كان قبل عام 1952 بالعهد البائد والحقبة المظلمة في التاريخ المصري.
الحراك الجماهيري الثالث في مصر أتي في أعقاب حركة الضباط الأحرار في 23يوليو عام 1952 وخلال فترة لم تزد علي عامين تم تداول قضية الحريات الحزبية والديمقراطية وعلاقة السلطة بالقوي الاجتماعية، وانتصر الجناح المؤيد لفكرة التركيز علي القضايا الاجتماعية وفرضت مقايضة غير معلنة بين الشعب المصري والنظام الجديد بقيادة جمال عبد الناصر بمقتضاها، اتجهت الحركة نحو توسيع الاصلاحات الاجتماعية وصولا للقضاء علي طبقة كبار ملاك الأرض ( أو ما كانوا يسمون في الماضي بأصحاب المصالح الحقيقية) مقابل تقزيم مساحة الحريات العامة عبر نظام سلطوي تضخمت فيه دور الأجهزة الأمنية. وعلي مدار سنوات طويلة خاصة بعد رحيل جمال عبد الناصر دارت نقاشات كثيرة بين أفراد النخبة المثقفة حول التوصيف الدقيق لما حدث في 23يوليو والتي بدأت كإنقلاب عسكري صرف ثم تحولت بعد التأييد الجماهيري الواسع لها لوصف نفسها بالثورة المكتملة الأركان والتي تخضع لمعايير النظرية الثورية وفقا للمقولة الماركسية التي تحدد الثورة، بأنها تحول في نوع القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها الحكم، وهو ماكان قد حدث بالفعل بعد أن قضت حركة الجيش علي النظام الملكي وحولت البلاد إلي جمهورية وبعد أن أطاحت أيضا بطبقة كبار ملاك الأرض والبرجوازية الصناعية الناشئة لتتحالف مع العمال والفلاحين أو تعتبرهم قاعدتها الإجتماعية الجديدة، وجاء التنظيم السياسي الأوحد الذي ابتكرته عبر تطوراته (الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي) ليضع صيغة تحالف قوي الشعب العامل محل الديمقراطية بمعناها الأصيل. ولكن تجربة عبد الناصر سرعان ما تبددت بعد هزيمة يونيو عام 1967 ثم وفاته عام 1970 وتحول خليفته أنور السادات نحو إجراءات أولية في اتجاه تخفيض دور الدولة في الاقتصاد والبحث عن حل سلمي للصراع العربي، الإسرائيلي. كما يمكن الإشارة أيضا إلي الفترة القصيرة التي ظل الإعلام المصري يصف فيها صراع السلطة الذي دار بين السادات وخصومه من اتباع عبد الناصر في مايو 1971 والذي انتهي لصالح السادات، باسم ”ثورة التصحيح” إشارة إلي أن ماحدث كان تصحيحا للإنحراف الذي عانته ثورة 1952 علي يد حواري عبد الناصر بعد وفاته، غير أن التعبير تلاشي هو الآخر بعد موت السادات ليصبح جزء من مشكلة الصراع علي السلطة ليس إلا، وفي كل الأحوال لم تكن أحداث يوليو 25 لتتطابق مع فكرة الثورة، كما نظر لها الماركسيون ــ باعتبارهم أصحاب أكثر مدارس علم الإجتماع بحثا في ظاهرة الانقلابات العنيفة في المجتمعات الانسانية، وحددت معني للثورة بأنه تغيير في الطبقة الحاكمة وعلاقات الانتاج، ولكنها للإنصاف أحدثت ”أي ثورة يوليو” ما يشبة نتائج ثورة حقيقية وهو ما يفسر ما حظت به من تأييد جماهيري بشكل واسع حتي رحيل عبد الناصر علي الأقل.
الحراك الجماهيري الرابع في تاريخ المصريين الحديث كانت أحداث فترة امتدت علي مدة أربع سنوات 1968ــ 1972 شهدت فيها وصول المواجهة بين بعض طوائف الشعب ونظام الحكم إلي مستوي مرتفع تمثلت في مطالب رفعها الطلاب الجامعيين بإعادة محاكمة المتسببين في هزيمة يونيو عام 1967، وانتهت هذه المواجهات في دفعتها الأولي في خريف 1968 دون تحقيق نتائج ملموسة في إطار أهدافها، ثم جاءت المواجهة الثانية الكبري عام 1972. وتميزت برفع الطلاب لشعارات الديمقراطية والحريات العامة جنبا إلي جنب مع شعار تحرير الأرض المحتلة، وقد وصفت هذه الأحداث بمصطلح ”الانتفاضة الطلابية” وكان وصفاً دقيقاً سواء علي مستوي نوعية المشاركين أو علي مستوي كونها لا تطرح تغييرا في النظام ذاته بل في توجهاته خاصة فيما يتعلق بقضية الديمقراطية، وانتهت هذه الانتفاضات بدورها دون أن تحقق نتائج واضحة، واتت حرب أكتوبر عام 1973. وما حققته من نتائج علي مستوي التحرير الجزئي للأرض المحتلة لتذهب الأمة المصرية في اتجاه مطالب إجتماعية رفعتها انتفاضة 18، 19يناير 1977 وبدورها لم تطرح هذه الانتفاضة شعارات المطالبة بتغيير النظام وتمركزت حول الاحتجاج علي الأوضاع الاقتصادية ــ الاجتماعية القائمة وشابتها شعارات أخري أكثر علواً في الصوت طالبت باستئناف القتال من أجل إسترداد بقية ”سيناء”، وبدلا من أن تحقق هذه الانتفاضة أهدافها اتجه نظام حكم الرئيس السادات بقوة صوب تحرير الاقتصاد وزيادة القبضة الأمنية (إدخال الشرطة إلي الجامعة في صورة حرس الجامعة) ونحو مزيد من التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وصولا إلي إقامة السلام مع إسرائيل وإدارة مصر ظهرها إلي العرب والقوي المسماة بالثورية في المنطقة بالكامل، وهو ما يعني أن هذه الانتفاضة كانت مثل ثورة أو هوجة عرابي التي أتت بنتائج عكس التي كانت تطالب بها بل دعمت اتجاهاً كان السادات يسير فيه علي استحياء بالقطع مع روابط المرحلة الناصرية بكل تجلياتها، ثم مضي فيه بخطوات أوسع عقب هذه الانتفاضة مباشرة بالقيام بزيارة القدس في نوفمبر 1977.
من الاستعراض السابق لتاريخ أحداث وُصفت بالثورة أو الهوجة أو الانتفاضة نجد أن كل هذه التوصيفات اعتمدت علي التوجه الأيديولوجي للنظم التي كانت تحكم مصر في ذلك الوقت. يبدو أن شيئنا من هذا يجري الآن في وصف أحداث 25 يناير والتي نراها أنها تفتقر لمعني الثورة بالمفاهيم العلمية حيث اقتصرت علي الاطاحة بوجوه النظام القديم (مبارك وعائلته وبعض أقطاب الحزب الوطني الحاكم) ومن السابق لأوانه معرفة التطورات التي ستحدث وفقا لتصورات المجلس العسكري الحاكم حاليا فكل السيناريوهات مطروحة وفقا للائحة:
أولها: أن تمضي الاصلاحات الديمقراطية في مسارها التدريجي ولا يتم تحجيم القوي الاجتماعية التي ساندت النظام وتحكمت في مقاليد الأمور لسنوات طويلة في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، وبذلك يكون ما حدث في الخامس والعشرين من يناير مجرد إصلاح من داخل النظام، خاصة إذا ما عكست المجالس النيابية والتمثيلية (مجلس شعب ومجلس شوري، محليات) نسبا مختلة لتمثيل القوي السياسية والاجتماعية.
ثانيها: أن تحدث ردة علي ماتحقق من نتائج في 25 يناير نتيجة تزايد عناصر الفوضي في المجتمع المصري مما يدفع المجلس العسكري للبقاء لفترة أطول.
ثالثها: أن تنقض القوي الدينية (الاخوان، السلفية) وتتحكم في مصير البلاد عبر عملية ديمقراطية اجرائية لايوجد ضمان حقيقي لمنع الارتداد علي مكاسبها لاحقاً وبالوسائل الديمقراطية نفسها.
رابعها: أن تدخل البلاد في أزمة أنظمة حاكمة قصيرة الأجل نظرا لإرتفاع حدة التوتر الاجتماعي، وحدة التربص بين القوي السياسية القائمة.
والسيناريوهات الثلاث الأخيرة ستكون مثلها مثل السيناريو الأول لا تحقق للثورة معناها المتعارف عليه إلا من زاوية يمكن إعتبارها نقطة البدء لمسارات تصحح نفسها، أو يتم تصحيحها بصدامات عنيفة علي مدي زمني طويل، بشرط أن تعكس نقطة النهاية غير المحددة زمنيا التوافق حول أسس دولة حديثة تعلي من شأن المؤسسات الدستورية وحكم القانون وتحترم الحريات العامة وفقا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لقد ظل الشعب المصري خارج معادلة السلطة طيلة تاريخه الطويل وقد برهنت أحداث 25 يناير علي أن الشعب المصري أو جزء معتبر منه قد نفض هذه المعادلة عن كاهله وتمكن لأول مرة في تاريخه من إسقاط حاكمه والمطالبة بحقوق المواطنة الكاملة.
وسواء اكتملت لهذه الثورة أركانها بتحول الثقافي إلي تعبير سياسي معاصر في مدي زمني قليل أم تأخرت هذه العملية، فإن الخامس والعشرين من يناير سيظل يؤرخ له بأنه أول محاولة ناجحة لإدخال الشعب المصري في معادلة الحكم التي ارتكزت لقرون طويلة إلي تجاهله، كما يقول سعد زهران في كتابه ”في أصول السياسة المصرية” علي مثلث (الملك، الأعيان، الامبراطورية العالمية السائدة) ثم كانت هناك محاولة في الثلاثينيات لتربيع المثلث بإدخال الطبقة المتوسطة، أما الشعب المصري كجماعة بشرية ليس إلا، فلم يكن سوي كتلة إنفجارية يستخدمها أي من الأطراف الثلاثة أو الأربعة السابقة لتعديل موازين القوي داخل معادلة الحكم، وربما يعبر الشعار البسيط للجمهور الواسع الذي شارك بالملايين في ميدان التحرير أكثر من مرة في المظاهرات الاحتجاجية ”الآن عرفنا الطريق”، بمعني: اذا لم نؤخذ في الاعتبار منذ اليوم وحتي الأمد المنظور سنعود لميدان التحرير لنقول ”لا لمن” يحاولون اخراجنا مرة ثانية من المعادلة. بهذا المعني ثارت مصر في الخامس والعشرين من يناير وعليها أن تمضي في طريق شاق وطويل لتثبيت وجود الشعب في معادلة الحكم.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: